بعد ظهور الإسلام:
تجددت الهجرات العربية الإسلامية لأسباب مختلفة إلى الشاطئ الأرتري فاستقر بعض المهاجرين بصفة دائمة ، وظل بعضهم يتحرك بين ضفتي البحر غربًا وشرقًا منشغلًا بالتواصل المتكرر لتحقيق أغراض دينية و تجارية و اجتماعية و عسكرية وأمنية . وقد بدأت الهجرة الإسلامية إلى الحبشة في عهد النبوة الأول عندما كانت الدعوة محاصرة في مكة المكرمة من قبل قريش قبل إسلامها الذي حدث بعد الفتح العام الثامن الهجري. وتأتي هجرتا الصحابة – رضي الله عنهم – الأولى والثانية ضمن السلسلة العربية المهاجرة فقد ذكرت كتب السيرة والتاريخ أنه ( لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية ، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب ، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة ، وفرارًا بدينهم ، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام ) [15] وكان عدد من ضمتهم الهجرة الأولى عشرة رجال وأربع أو خمس نسوة. وفي الهجرة الثانية تحدث ابن هشام عن عدد المهاجرين فقال : ( فكان جميع من من لحق بأرض الحبشة ، وهاجر إليها من المسلمين ، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارًا وولدوا بها ، ثلاثة وثمانين رجلًا أو اثنين وثمانين .بدون عمار بن ياسر .حسب شك الرواية [16] وكانت عودتهم في أوقات متفرقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك عودة أصحاب السفينة فعن الشعبي :أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ـ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر ، فقبل رسول الله صلى عليه وسلم بين عينيه ، والتزمه وقال ما أدرى بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم قدوم جعفر ) . وقال
فهؤلاء الذين حمل النجاشي مع عمرو بن أمية الضمري في السفينتين ، فجميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر رجلاً ) وغزوة خيبر كانت في السنة السابعة من الهجرة[17] . وليس بعيدًا أن يكون للصحابة المهاجرين خلف وذرية وأصهار وأنساب في الحبشة لأنهم قد مكثنوا سنين يعيشون في أمن ممكن، ومعيشة سعيدة في ظل دولة العدل فمن الطبيعي أن تكون لهم حالات زواج وإنجاب وتداخل اجتماعي بينهم وبين السكان أو فيما بينهم وقد يكون من بينهم من آثر الإقامة في الحبشة.ولا نعلم دليلًا شرعيًا يوجب عليهم العودة إلى أرضهم في الجزيرة العربية. بل ربما يعزز استقرارهم في الحبشة طيب المقام لهم سياسيًا واقتصادياً وأنهم بين قبائل تعود في أصولها إلى العرب كانت قد سبقتهم إلى الحبشة عبر التاريخ القديم ، وقد تتابعت الهجرة بعد ظهور الإسلام لأسباب كثيرة سياسة واقتصادية ولهذا تجد معظم القبائل الأرترية تنتسب إلى قبائل وعوائل عربية أو إلى الصحابة رضي الله عنهم فبينهم حسنيون وحسينيون وبكريون وعباسيون وأمويون … ومنهم من لديهم سلسلة نسب يرويها ويحفظها وبعضهم قد ينسى سلسلة النسب مع تقادم العهود لكنه يروي أنه ينتمي إلى واحدة من القبائل العربية شرق البحر الأحمر ويسميها ويفخر بها ويذكرون أن جدهم فلانًا هاجر إلى أرتريا وتكاثر في غرب البحر الأحمر ..وكل هؤلاء المهاجرين طاب لهم المقام ، وأسسوا ممالكة ودويلات ممكنة في الشاطئ الغربي للبحر الأحمر وتمدد بعض سلاطينهم وممالكهم إلى مناطق شاسعة على امتداد البحر جنوباً وشمالاً وغربًا .وفي العمق الحبشي في الهضبة.
ولم تكن أرتريا مميزة بحدود سياسية وإنما كانت جزئاً من المساحة الواسعة التي كانت تحكمها كليًا أو جزئيًا تلك الممالك التي عرفت ببلاد الطراز الإسلامي في بعض عهود التاريخ بينما عرفت أرتريا بتسمية ولاية الحبشة في بعض المراحل التاريخية .
حيث كانت تتبع للدولة الإسلامية منذ وقت مبكر في زمن الصحابة وما تلا ذلك من عهود الدول الأموية والعباسية وكانت تتبع لإدارتها ضمن المناطق الواقعة شرق البحر الأحمر فعمر بن الخطاب على سبيل المثال أرسل حملة عسكرية بقيادة علقمة بن مجزر المدلجي عام 640 م – الموافق 20هـ تأديبًا للقراصنة[18] وتأمينًا للقوافل التجارية وحملة أخرى قادها عبد الله بن أبي سرح عام 648م – 31هـ وعبد الملك بن مروان يرسل حملة عسكرية عام 692م – 75هــ وترسل حملة عسكرية مماثلة في عام 767 م – 150هـ في عهد الخليفة العباسي المنصور. [19]
ولم تحدد المراجع التاريخية انتماء هوؤلاء القراصنة من حيث البلد أو القبائل والأقوام وطرح الباحثون التساؤل دون إجابة حول انتماء القراصنة أهم بجة أو دناكل وعفر أو أحباش. أو غيرهم ممن كان له الحضور الكثيف بأنشطته في البحر . [20] وكان لكثير من الأجناس وجود في غرب البحر الأحمر ونشاط في البحر حتى العرب شكل بعض عناصرهم تكتلات للقيام بأنشطة قد يكون من بينها الاعتداء على الآخرين بحرًا وفي اليابسة .فكان مبررًا أن تهتم الدولة الإسلامية بتلك البقعة القريبة من الجزيرة العربية والمؤثرة سلمًا وحربًا .
وهكذا توالت الحملات العسكرية إلى غرب البحر الأحمر تحقيقًا لمقاصد استراتيجية وأمنية واقتصادية ودينية وقد كان في دهلك سجن ينفى ويحبس فيه المخالفون سياسيًا أو المجرمون الذين كانوا يخلون بأمن المنطقة
ومع هذا الوجود والحضور الإسلامي العربي قلت إلى حد قريب من التلاشي المطامع الإثيوبية والغربية والفارسية والاستعمارية الأخرى على البحر الأحمر بعمقه وبضفتيه الشرقية والغربية وكانت أرتريا جزئًا – دون ذكر اسمها الحديث – من هذا المحيط الإسلامي الغالب بأرضها وقبائلها وتراثها ونشاطها وأنسابها وأحسابها . [21]
