قومية البلين في أرتريا :
بالنظر إلى الواقع نجد أن البلين يحملون خصائص القومية لا القبيلة، وهي: الاتحاد في التاريخ واللغة والأعراف والأرض والمصالح المشتركة[1] رغم اختلافهم في الأنساب والأصول والدين. وبلين تنطبق فيهم هذه الخصائص إلى درجة الامتزاج بالمصاهرة والنسب والعصبية بمعناها اللغوي الذي يدفع كل منتمٍ إلى من هو منهم رغبة لمناصرة منتسبي قوميته فيما يحرصون على تحقيقه من الأهداف المشروعة سواء كانت جلب مصلحة أو ودفع مضرة ، ولم يمنع البلين اختلاف أنسابهم ودياناتهم ، من التعايش السلمي والتعاون فيما يحقق لهم المصالح المشتركة ، وفيما يدفع عنهم الأضرار التي تستهدف كينونتهم ووطنهم . وعن أصل منشأهم هناك من يعتقد أنّهم يتصلون بأصلهم إلى قوم في الحبشة اسمهم ” الأجو” وهم من الشعوب الحامية الكوشية المعروفة بالمجموعات الكوشية الوسطى ويعتبرون من السكان القدامى في هذه المنطقة يعود تاريخ وصولهم إليها إلى ماقبل خمسة أو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وقد كانت لهم مملكة في الحبشة وكانت لهم امتدادات واسعة إلى جنوب مصر، ولهم ذكر مع قبائل النوبة والبجة ، لكن تغلب عليهم العنصر السامي المتعالي– كما فعل بغيرهم – صاحب الحضارة المهاجرة من جنوب اليمن فتشتت الأجو إلى مجموعات مهزومة فأوجدت لنفسها أوطانًا جديدة متقلصة الظل في أربعة مواطن مختلفة؛ ثلاثة منها في أثيوبيا والرابعة في أرتريا منذ أن فقدوا الحكم عام 1270م في بلادهم الأصلية الحبشة أمام سيطرة الأمهرا والتقراي الساميين.
مواطن فروع الأجو :
اتجه الأجو إلى اتجاهات ومواطن أربعة حسب فروعهم وهي :
- أجو الشمال وهم البلين الذين يسكنون في حلحل بقوص في إقليم عنسبا في إرتريا وتوجد رواية تجعل بعض البلين- طوقي – من حماسين وتنفي صلتهم بإثيوبيا أو الأجو الذين يتصل بهم نسبًا الطرف الآخر من البلين وهم بيت ترقي .
- أجو الجنوب أونجي (Awngi) وكونفال (Kunfal) في جنوب غرب وشرقي بحيرة تانا[2].
- أجو الغرب هم كويمانت وكوارا (Qemant and Qwara) في قوندر إقليم أمهرا بإثيوبيا.
- أجو الشرق هم كامير(Khmir)ويسكنون في سكوتا مقاطعة أمهرا حاليًا، وولو سابقاً.
- وهناك من الباحثين من يشكك في علاقة الأجو بالبلين في إرتريا وذلك
- لعدم وجود السند المتصل والرواية اليقينية والمستندات العلمية التي ترجح المعلومة البحثية التي توضح أن أحدهما أصل للآخر وتوضح نسبة هجرة هذا إلى ذلك بتاريخ وسبب واضح ، وأن تشابه في اللغة وبعض العادات بين البلين والأجو ليس بدليل كافي على إثبات النسب بين المتحدثين بها فقومية التجرايت على سبيل المثال تتحدث لغة واحدة وتتشعب إلى قبائل شتى لا يجمع بينها نسب متحد. ولهذا تصبح الفرضية متاحة لقراءة بحثية متواصلة .
فروع البلين:
البلين ” تمثل القبائل المتحدثة بلغة البلين وهي قومية كبيرةعلى مستوى إقليم سنحيت. وتنقسم إلى فرعين رئيسيين هما : (بيت ترقي وبيت طوقي )، وقد يطلق على بيت طوقي محليًا اسم (طاقرد) وعلى بيت ترقي اسم (سنحيت). ويبدو أنّ إقليم سنحيت الذي كان يعرف سابقًا بإقليم كرن وعرف حديثاً بإقليم عنسبا قد أخذ تسميته من اسم القبيلة . وعلى الرغم أنّ فرعي قومية البلين ذو عادات وتقاليد موحدة بجانب تقارب التسمية المتجانسة ، إلا أنّهما ينحدران من أصلين مختلفين سلالة وجغرافية؛ لأن بعض الكتابات التاريخية ترجع الترقي إلى لستا بإثيوبيا والطوقي إلى حماسين بأرتريا.
وتوجد في البلين فروع لقبائل أخرى كثيرة تجمعها مع البلين الأرض والجيرة واللغة والعادات كما تجمعها الإدارة الأهلية التي تدير أمر القبيلة واسم بلين يشمل جميع المكونات الأصلية وهو ماكان من سلالة بيت ترقي والنقد وطوقي والفروع الأخرى وهي التي تنتمي إلى قبائل أرترية أخرى قبل أن يتغلب عليها اسم ولغة بلين وعاداتها .
التعريف بترقي :
يقول محمد نور فايد” في ذكر النسب بأنّ ترقي هو ابن بقوص ، ولبقوص أخ هو حقوص وكلاهما أبناء هبت ماريام بن إبرهم بن زانو بن زاغوي من مملكة الأجو .ولهبت ماريام أخ هو زرئماريام الذي أنجب حربوي. ويقال إنّ حربوي مع أبناء عمه حقوص وبقوص كان يسكن في بلدة حَلْحَلِي الواقعة بين مدينة مندفرا وبلدة دباروه في سراي – حلحل سراي ليست حلحل عنسبا – . ونجد أنّ ذرية حقوص هي الوحيدة التي حافظت على لغتها الأصلية وعاداتها وتقاليدها القديمة وقد هاجرت من حلحلي لتستقر بعد مرور الزمن إلى يومنا هذا في طندق التي تسمى حالياً: (عيلابرعد) . أمّا ذرية حربوي التي اتخذت من حَلْحَلِي مستقرًا لها فقد تأثرت باللغة التجرينية تاركة لغتها الأصلية وكذلك فعلت ذرية حقوص التي هاجرت لتستقر في منطقة ليبان غرب حماسين”.[3]
بداية هجرة الترقي:
يعتقد أنّ أبناء ترقي أوّل من وصلوا إلى بقوص–إقليم عنسبا حالياً- ويدّعون أن أصلهم يعود إلى سكوتا في إقليم لاستا في إثيوبيا و يقال إنّ بقوص كانت مسكونة قبلهم من الباريا والبلو فانكمشت الأولى إلى القاش ورحلت الثانية إلى سمهر وما تبقى منهم انصهر في الوسط الجديد وأصبح جزءاً من مكوّنات البلين في بقوص ويعرفون في الروايات الشعبية الشفهية بالبلو والكلو إلى يومنا هذا ،
الإخوة من أبناء ترقي:
ذكر الكاتب مكئيل قابرهم أن عدد الإخوة من أبناء ترقي هم ستة: يغداي ، لمطلي ،حدي، ساتيفاي ،قبرو ، حقوص . ويورد محمد نور فايد أنّ الأخ السادس هو دبرو بدل حقوص – ربما يطلق على الشخص الواحد اسمان فيعرف بأحدهما عند قوم وبالآخر عند آخرين – ، وعندما تزاحم الإخوة الستة وشكوا من ضيق المكان ، وضيق المعيشة دفعت بهم الحاجة إلى البحث عن مناطق أكثر اتساعاً وملاءمةً لهم فتوزعوا بين إقليم بركة وبين مناطق جديدة في إقليمي عنسبا وحماسين.
اتجه إلى إقليم البركه فرع حدي وقد عانوا في البيئة الجديدة من الملاريا و شدة الحر، واتجه نحو إقليم حماسين فرع حقوص حيث استقر في جنوب غرب حماسين وتعرف ذريته اليوم هناك بشعب ليبان. أما ساتيفاي فاتجه نحو الشمال وسكن في المنطقة الواقعة بين المنسع والبيتجوك لكن ذريته لم تتكاثر. وبقي قسم منهم رابع في مناطق جديدة بإقليم عنسبا فبغداي استقر في قرية شاركي ،واستقر لمطلي في منطقة قريبة من طندق، وكلاهما قريب أو امتدادات عيلا برعد ومقارح وكرن .وكلهم عمر الديار ، وتوسع في التنمية والذرية وخالط الآخرين من السكان فكثر سوادهم.يذكر أنّ بغداي ولمطلي بقيا في المنطقة الواقعة قريب من عيلابرعد وأبناء ترقي عموماً أراضيهم هي المنطقة التي أسست فيها مدينة كرن وضواحيها من القرى الزراعية والعامرة القريبية والبعيدة منها .
مكونات قبيلة ترقي:
وتتكون قبيلة الترقي من “اثني عشر فرعًا ، سبعة منها لها نظار يتعددون حسب كثرة منسوبي فروعهم أو قلتهم ، فبيت قبرو لها ناظران، وناظر لكل من أسقدوم، وسليمون وزمات، وإيدكل ، وحديمبس ، وسكينايت . أمّا التي ليست لها نظار فهي لمطلي ، وبقداي ، وقدلوم ، وأسكح ، ودبرو .”[4]
ويأتي ضمن مكونات بيت ترقي فروع من قبائل أخرى تضمهم الشجرة يعرفون بمصطلح ” نقد ” الاثنا عشر: بينو ، لقدري، لاوين ، متو، كلو، مرير، إخوارارو، طقر، سحرتي ، زوال علامة ، زوال سليم ، فاشل [5]أمّا ناظرهم فكان يوسيف محطون وانتقلت النظارة إلى ذريته بعد موته .أمّا أشهر مدن وقرى الترقي والنقد فهي: كَرَنْ، عِيلَابَرْعِدْ ، حَقَّاتْ ، فلادارب فرحين ، بَسَكْدِيرَا ، حَلِيبْ مَنْتَلْ ، درق ، حَشَلَا بِلِينْ ، عُونَا ، مَقَارِحْ ، رُورَا بِيتْ قَبْرُو ، بَقُّوْ ، قِلَاسْ ، أَشَرَا، وإِنْطِينَاقْ، وغيرها.
الهيكل الإداري لبيت ترقي:
تدير قبيلة بيت ترقي أمورها بالشورى وهو مجلس أعلى مكون من نظار الفروع يعالج أمور القبيلة الكبيرة ولهم قانون عرفي يتحاكمون إليه ، كما أن كل ناظر له صلاحية الحسم لكل ما يحدث وسط قومه من أمور تهمهم يعالج المشكلات ويرعى المصالح فإذا كانت القضايا فوق قدراته واستعصى حلها ترفع إلى المجلس الأعلى لبيت ترقي فهو المحل الطبيعي لمعالجة القضايا الكبيرة مثل قضايا الدماء أو الأرض والخلافات الكبيرة بين الفروع أو بين النظار التي قد تتطور إلى حرب . والنظارة لا تمنح إلا للفروع ذات العدد الكبير وربما أعطوا أكثر من نظارة لفرع واحد إن كان كثير العدد .كما أن بعض مكونات الترقي التي تعود في أصلها إلى غير البلين انتهى بها التدرج إلى أن أخذت شراكتها في السلطة والنظارة .وإن كانت في البداية تبعًا لأهل النظارة البلين الأصليين والمصطحلات السلطانية عند بيت ترقي مثل الذي يوجد في عموم قبائل إقليم عنسبا من كنتيباي وشوم وبعل جبت ..
بيت طَوْقِي:
توجد روايتان إحداهما تجعل بيت طوقي من أصل مهاجر أتى من الحبشة لظروف طاردة ، قد تكون أمنية وسياسية أو معيشية اقتصادية ، ورواية أخرى تجعلهم من سكان حماسين نزحوا إلى إقليم عنسبا واستقرت أقدامهم في حلحل.هذه الرواية تشرح:إنّهم أحد مكوّنات سكان حماسين من عهود غابرة ولم يكونوا من المهاجرين إليها من داخل الحبشة ،ومن حماسين انتقلوا إلى حَلْحَلْ عنسبا حيث مستقرّهم الحالي.تقول الرواية الشعبية إنّ سمرعين وعمه بجل وجوين وزَرْؤُ تحركوا من حماسين عبر منطقة شيتل ووصلوا إلى مكان يسمى حتى الآن”بحمرت قوليا”وهي تقع في منطقة سبر القريبة من دبر سالا وأقاموا فيها قريتهم وبنوا فيها كنيستهم[6] وبعد فترة ولأسباب غير معروفة تحرك الثلاثة (سمرعين وبجل وزرؤ) باتجاهات مختلفة للبحث عن أماكن أكثر ملاءمة لسكنهم، فسمرعين تحرك باتجاه حلحل ، وبجل إلى بركة ، وزَرْؤُ إلى مرتفعات الماريا . وعند ما عادوا من رحلة الاكتشاف وتبادلوا المعلومات بينهم كان كل منهم قد أعجب بما اكتشف من المناطق فطلب أن يذهبوا معه لكن كل واحد منهم أصرّ على موقفه ، فذهب كل منهم حيث المناطق التي اكتشفها ، فتوغل بجل إلى بركة وزرؤ إلى الماريا إلاّ أنّ زرؤ دفع إلى الخلف من الماريا لاحقًا. وسمرعين وجوين توجها إلى مرتفعات حلحل واستقرا فيها. وكثير من منسوبي طوقي يتحمس لهذا الترجيح على الرغم من عدم وجود دليل قاطع يوثق للحقيقة وينفي الاحتمالات الأخرى .
إنّ قبيلة بيت طوقي تتكوّن من أبناء طوقي وهم : عد سمرعين ، و عد إبرهم ، وقد تفرعت ذرية الأخير من زوجاته الثلاث وهن:
1- جنقنيت وقد ولدت: قركتوس ،بيطروس عبكة، وإمبارك.
2- لامديت وقد ولدت : شوم أحنس ، تايدوس ، أتو ، نقدي ، هددي ، قددي.
دانشيمايت وأبناها : تسأن، ودرئ إبرهم ، وميناب.
وفي مسيرتهم تذكر الروايات أنّ أبناء بيت طوقي كانوا يسكنون في قرية “أبركيا” القريبة من عد تَكِّلِيزانْ في حماسين لفترة طويلة قبل رحيلهم إلى حَلْحَلْ ولا يعرف بالتحديد منذ متى كانوا يسكنون في هذه المنطقة ؟وقد وردت في ذلك روايتانالأولى أنّهم ينحدرون من منطقة كوارا في بجمدر– الحبشة – هاجروا منها إلى عد تكليزان في القرن العاشر الميلادي وذلك للأسباب السياسية التي كانت تعاني منها المنطقة آنذاك وربما المقصود هنا غزو مملكة ابن الحموية لمملكة الأجو من جهة الجنوب أو عند سقوط مملكة زاقو الأجوية في عام 1270م . وهناك من يقول : إنّ أسباب هجرتهم كانت بسبب المجاعة التي ضربت منطقتهم في تلك الفترة [7] وكان طريق هجرتهم عبر دَامْبِيَا وتمبين في جنوب تجراي وأخيراً استقر بهم المقام في عد تكليزان في حماسين لزمن طويل ومنها انتقلوا في القرن السادس عشر إلى موطنهم الحالي في حلحل عنسبا.
وتنكر الرواية الأخرى صلة بيت طوقي بإثيوبيا وإنما هم سكان حماسين ولا تزال ذرياتهم فيها وتواصلهم ولهم أرض وتراث معهود محفوظ وينشرح كثير من منسوبي القبيلة لهذه الرواية لكنها لا تقوى أن تهزم الاحتمال الآخر وذلك لعدم وجود السند الحاسم .
والثابت أنّ أبناء طوقي وطنفاي وشباخاي والمجموعات التي قدمت معهم استقروا في حلحل وضواحيها، وأنّ بجل الذي جاء مع سمرعين وهو أخ لطوقي من عد تكليزان سكن لفترة في حمرت قوليا في منطقة سبر وبعدها توغل إلى بركة و توجد اليوم مجموعات من سلالته في مناطق البركة لعال والقاش وهناك قرى مسماة باسمهم كقرية بيت بجل التي تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة أغردات . أما زرؤ فقد أخرج من مناطق الماريا وتنتشر ذريته اليوم في مناطق عنسبا وعيلابرعد وأجزاء من الساحل وغيرها .
تذكر المصادر أنّ الابن الأصغر لطوقي يسمى تكليزان لم يرحل من أرض الأجداد وبقي في دار والده وأنجب سرايات سقدي ، ومنه تفرع كل من تكليهيمانوت وفريمحق ،ومن سلالتهما الزعيمان المعروفان كفلي قرقيس ، وإيلوس ، اللذان تنافسا في إدارة دمبيزان ، ومنهم الزعيم دجيات حدقمبس الذي قاوم الاحتلال الإيطالي عند مجئيهم إلى إرتريا ، ويعرف أهل دمبيزان بالزمات الخمسة– عد زماتZamat – وهم مشهورون بالشهامة والشجاعة وشدة البأس عند اللقاء ، ويعتزون بأصلهم ولهم دراية باستحقاق السلطة وطرق ممارستها[8]
أما سمرعين فمنذ وصوله إلى حلحل فقد استقرّ في قرية ماي أوالد التاريخية وبنى فيها كنيسته[9]. ويعتقد أنّ آثار القرية بما فيها الكنيسة التي وجدت في منطقة عراتوخ مؤخراً هي نفس المكان الذي أقام عليه سمرعين قريته عند وصوله إلى حلحل وما زالت ذريته تسكن في هذه المنطقة وما حولها .أمّا إبرهم فقد استقرّ به المقام في حلحل وأقام فيها قريته وبنى فيها كنيسة تسمى القديس يعقوب[10] ويعتقد أنها كانت في منطقة “قسلت”.
عندما تكاثر أبناء إبرهم وزاد عددهم وضاقت عليهم تلك المنطقة بدؤوا بالتوسع، بحثوا عن البدائل، فغالبية أبناء تسأن ذهبوا إلى عنسبا،فأنشأ أبناء قايم قرية حبوب، وعد كلب قرية واليكو، وعد تخلطون قرية زرون ، وعد فايد قرية سروا ،ويقال أيضاً إنّ أبناء تسأن أنشؤوا كنيسة خاصة بهم تسمى قدست ماريام[11]. بقي في حلحل أبناء يعقوب ، قَبْشَا ،وطَفَعْ ، ولاَمْدِيرِيْ إلا أنّ طفع لاحقا انتقل إلى قَبَيْ أَلَبُو ، أمّا بقية أبناء إبرهم فمنهم من ذهب مع تسأن إلى عنسبا ومنهم من بقي في حلحل.[12]
وهناك عشائر أخرى من غير أبناء طوقي تعيش معها وخالطتها منهم : طنفاي وحَرَبَا ، وجنقرين، ودانشيم وجوين ، ولاوين ودنقين وكخين ، واطوت ، قابول أو قدب وكوازين ، وسحرتي ،وأسفدا . وأسر أخرى مثل قباش ، والعقر، المعقبو والزاقر وسب لعاليت ، وأسر من الماريتين ،الحباب، زاول، شار، وكنانة، وآل ديناي، وأسر من آل الشيخ حامد وعد معلم ، عد ولدي سلاسي ، وغيرهم . اختلطت هذه المجموعات ببعضها حيث أصبح من الصعب أن تجد شخصاً ليس له رحم من أب و أم أو خالة أو جدة في تلك القبائل، وهكذا أوجدت هذه القبائل مجتمعة تاريخًا مشتركًا وعاشت في وئام وانسجام وتدير شؤونها الداخلية بواسطة الأعراف والقوانين المحلية المعروفة بقانون أو عرف بيت طوقي .
[1]– حركات ومذاهب في ميزان الإسلام ، فتحي يكن ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط10 ، تاريخ 1992م ، ص 96 – 108
[2]– Tamrat, Op.Cit, p ,8-9.
[3]محمد نور فايد . مصدر سابق ، ص 67.
[4] المصدر السابق ، ص ، 68.
[5] المصدرنفسه ، ص ، 80.
[6]Munzinger .Op.Cit . p, 162&163.
[7] Michael Ghaber, Op.Cit. p,8.
[8] مكئيل حساما ركا ، مصدر سابق ، ص ، 63-72 . و محمد نور فايد مصدر سابق ، ص ، 76.
[9]Munzinger , Op.Cit, p.164.
[10] Ibid. P.164.
[11] Ibid. P.164.
[12] أنظر لمزيد لتفاصيل هذه القرى وأسماء الكنائس للمصدر السابق ، ص 164- 168-169.
الهيكل الإداري لبيت طوقي:
إنّ الهياكل السياسية والاجتماعية لقبائل بيت طوقي كان مقسماً على عشائر كل عشيرة تمارس الحكم الذاتي بواسطة زعيمها (سيم) وإنّ كان لا يعرف متى بدأ هذا النظام ، وكيف استحق هذا الفرع دون الآخر الزعامة في البداية إلا أنّها لاحقًا أصبحت استحقاقًا وراثيًا . ” وتسمى العمودية بالبلين (جبت) ،والعمدة “سيم” ويلقب بكنتيباي عند البلين والحباب والبيت جوك والماريا والمنسع ، وهو منصب يتم بالتوارث وعادة أكبر أولاد العمدة هو الأولى بالعمودية إلا إذا وجدت ظروف خاصة تقدر بقدرها ويتم تنصيب العمدة في موكب مهيب يسمى”كبكب” يحضره عامة الناس ووجهاء وأعيان وعمد البلين والقبائل المجاورة. كان للعمدة هيبة و احترام وتقدير عند كل الناس وكان صاحب الأمر والنهي في القبيلة بلا منازع وكل المناصب والألقاب دونه “[1] والعمودية بدورها تنقسم إلى حصص وتأتي في الأهمية بعد العمودية . والحصة تكون من حق كل فخذ أو أسرة وصل عدد رجالها البالغين إلى أربعين رجلاً . والحصص يعتبرون نواباً للعمدة في أُسرهم أو فخذهم ويساعدونه في شؤون القبيلة المختلفة من جمع الدية والضرائب وفي فض المنازعات وفي شؤون القبيلة الأخرى.
المدن الرئيسية لقبيلة بيت طوقي :
أمّا مدن وقرى بيت طوقي فمنها حلحل : وهي المقر الأساسي للقبيلة ويحيطها قرى كثيرة: أراس وسروا ، متكلأبي ، ماي أوالد ، شيكا عد حزباي ، جنقنيت ، قبي ألبو ، سبر، طروم، مأتوت ، معركي ، إردا ، فانشبكو، فانا ، والقرى المجاورة لها ، بركنتيا ، ليبنا ، حبوب ، أفطروق ، مرجن ، عمر أمير ، دو العقدة ، طعداكرخ ، قيسو ، قربعل ، ششا ، أبلبا، شنقورونتلا ، دادو زرون ، قارسقر ، قلجبا ، توفالبوا ، أزرقت . وغيرها .
تحليل تاريخي بالاطلاع على المصادر يفيد :
- أنّ البلين الأصليين حسب الإدريسي وابن الوردي كانوا يعتنقون الديانة النصرانية على مذهب اليعاقبة منذ العهد القبطي مثل النوبة والحبشة وأكثر البجة، والمعروف أن الحبشة اعتنقت المسيحية على المذهب اليعقوبي من القرن الثالث الميلادي، والنوبة من القرن السادس الميلادي ، ومن كلام بن القلاقس أيضاً يفهم أن البلين كانوا على الديانة النصرانية على المذهب الأرثودوكسي إذ يقول وهو يتحدث عن حادثة هدم المساجد: ” كل ذلك برأي المطران الواصل إليها من الديار المصرية حماها الله.. ولم يخرج المطران المذكور الا بعد أخذ المواثيق عليه من البطرك بأن لا يحدث حادثا من إلجاء المسلمين إلى التنصر ولا يهدم مسجداً ولا يخرج عن الطريقة المعهودة من مثله ….”[2].
- جاء في النصوص على أنّهم من اليعاقبة الخوارج وكان يطلق هذا المصطلح على الطائفة الموحدة من المسيحيين الذين كانوا لا يؤمنون يالتثليث ويقولون إنّ عيسى ذو طبيعة بشرية، وجراء ذلك تعرضوا للتضييق من الدولة الرومانية فاحتموا بالقبائل الصحراوية التي كانت تسكن إلى الجنوب الشرقي من مصر، ومثلهم كان مسيحيوا الحبشة على هذا المذهب أيضاً.
- وضحت النصوص أيضاً ما يتمتع به البلين من صفات وأوصاف كالصرامة والشجاعة وقوة الشكيمة، وشدة المراس عند اللقاء، كما جاء في النصوص منها “ولهم صرامة وعزم وكل من حولهم من الأمم يهادنونهم ، ويخافون ضرهم”
- كانوا أسياداً في مناطقهم يسمحون ويمنعون المرور بها وقت ما يريدون. ولذا يشير ابن القلاقس إلى حدوث المنع للوصول إلى السواحل من الجانب المتملك عليه البلين .
- في الحالات العادية كانوا على علاقة جيدة مع من يجاورونهم ويتبادلون معهم المصالح والهدايا”تشير النصوص إلى العلاقة التي كانت قائمة بين القبائل في المنطقة ، فرغم المنافسة الطبيعية بين القبائل البدوية على أماكن المياه والكلأ إلا أن علاقة البليين بجيرانهم كانت تتسم أيضاً بالطيبة وحسن الجوار، يدل على ذلك الهدايا التي كانت تصلهم من جيرانهم ، ولا بدّ أنّهم كانوا أيضاً يهادونهم”[3]كما أنّ قوافل التجارة كانت تمر بأراضيهم بسلام دون أن يتعرض لها أحد في الحالات العادية.
- أشارت النصوص إلى جيران البلين ” بالأمم المجاورة لهم ” والمقصود بالأمم المجاورة لهم هنا هم البجة والحبشة و النوبة.
- وجود علاقة لهم بالروم والمقصود بالروم هم البيزنطيون الذين حكموا مصر قبل الإسلام والذي ورد ذكرهم في القرآن.
- إنهم قوم من السودان ، ولم يشر إليهم على أنهم قوم من العرب، أو الأقباط،أو الحبش، أي ما يعني أنّهم من السكان القدامى في المنطقة
- يعود وجودهم في هذه المنطقة إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام كما جاء في نص الإدريسي”وأنهم على دين النصرانية من أيام القبط وقبل ظهور الإسلام”[4] أيّ ما يعني أنّهم كانوا موجودين في هذه المنطقة قبل القرن السابع الميلادي.
- بينت النصوص أيضاً مناطق انتشارهم في المناطق الواقعة بين الحبشة والبجة، ويصلون إلى النوبة؛ إذحدّد الإدريسي في نص رقم (1) منطقة البلين بأنّها بين أرض النوبة وأرض البجة، وهي نفس الحدود التي ذكرها ابن الوردي ،وذلك يدل أنّ امتداد حدود البلين شرقاً كان يصل إلى ميناء عيذاب، وغربا إلى حدود مدينة أسوان حيث كانوا يغيرون على أطرافها[5]. وأمّا ابن القلاقس فيتحدث عن الطريق البري المؤدي إلى مصوع والمسيطر عليه البلين ،وإوستيتووس الذي قال بوجودهم شمال سرايي، والمعروف أن كرن كانت طريق القوافل التجارية البرية عبر التاريخ،ونقطة التقاء التجار القادمين من سواكن في الشمال ومصوع في الشرق، وسنار في الغرب، ومن مناطق داخل الحبشة وبناءً عليه فإنّ هذه النصوص قد حددت مناطق تجوال البلين ما بين أسوان غربا وعيذاب شرقا ومناطق حلحل بقوص جنوبا .
- هم قوم رحل يتنقلون من مكان إلى آخر مثل قبيلة لمتونة القوية التي كانت تنتشر في المغرب الأقصى وحتى نهر السنغال جنوبا،والتي أقامت في القرن الحادي عشر الميلادي دولة المرابطين في الأندلس والمغرب العربي . ووجه المقارنة بين القبيلتين أن كلتا القبيلتين كانتا تتميزان بالقوة والشجاعة ، كما أنّ أنماط معيشتهما تتشابهان، فالأولى كانت تنتشر في الصحراء الواقعة بين مصر والنوبة والحبشة، بينما كانت الثانية تنتشر في الصحراء الواسعة في المغرب العربي حتى نهر سنغال ، وكان الإدريسي على علم بقوة قبيلة لمتونة بحكم أنه عاش في صقلية والأندلس والمغرب العربي ؛ فمقارنته البلين بلمتونة لا بدّ أن تكون قبيلة البلين آنذاك قوة كبيرة ومؤثرة في أماكن وجودها كاللمتونة في المغرب الأقصى،[6] ويفهم أيضاً ذلك من كلام ابن القلاقس إنّ البلين كانوا قوى لها إمكانية تمنع الوصول إلى السواحل عبوراً بأراضيها في الحالات غير العادية . ويفهم أيضاً من كلامه في الحالة العادية أنّ هذه المناطق كانت تمر عبرها القوافل المحملة من الغلال والأطعمة بسلام دون أن يتعرض لها أي أحد .
- تشير النصوص أيضاً إلى أنّ الدواب التي كان يستخدمها البلين للركوب وللإغارة على جيرانهم كانت الخيل .
- ويفهم أيضاً من صاحب الضوء اللامع لأهل القرن التاسع الهجري أن البلين كان لهم دور التأثر والتأثير في الدولة الإسلامية مترامية الأطراف آنذاك .
- يمكن هنا الإشارة إلى أنّ اهتمام المؤرخين بهذه المنطقة في تلك الحقبة ربّما يعود إلى تحول طريق الحج نحو الجنوب أي إلى هذه المناطق بسبب احتدام الحروب الصليبية في العالم الإسلامي آنذاك.
إجمالاً حددت النصوص التاريخية أن بلين في تاريخها القديم قوم من السودان وأصحاب خيل وديانتهم النصرانية، ووضحت حدود بلادهم ومناطق تجوالهم وأوصافهم قوةً وشجاعةً، وأنماط حياتهم ترحالاً واستقراراً، وعلاقاتهم بجيرانهم سلماً وحرباً.
الديانة في البلين:
قومية البلين تنقسم من حيث الديانة إلى مسلمين ومسيحيين متعايشين فيما بينهم متعاونين ومقدرين للتباين العقدي.
المسيحية في البلين:
يقينًا هي الأسبق فقد اعتنقها البلين بقرون قبل ظهور الإسلام بل قبل هجرتهم من مواطنهم الأصلية في لستا ” بيت ترقي ” أو حماسين ” بيت طوقي ” حسب إحدى الروايتين – إلى أقليم عنسبا مثل كل شعوب الحبشة التي أتت إليها المسيحية مبشرة بدين جديد يحل محل الوثنيات.
وصلت المسيحية الأرثوذوكس إلى الحبشة عبر قوم من مدينة” صور ” في الشام كانوا يحملون العقيدة المسيحية اليعقوبية فأصبحت دين الحبشة الرسمي ولا تزال، تم تتابعت الديانات المسيحية الأخرى من كاثوليك وبروتستانت.. ولأن هذه الديانات المسيحية مختلفة فيما بينها قد وجدت كل واحدة منها نصيبًا من الأتباع من البلين وإن قل أو كثر النصيب حسب الظروف التي تحيط بكل ديانة ولهذا كان حظ الأرثوذوكس الأكبر وكان الأصل في البلين كلها من بيت ترقي وبيت طوقي ثم اعتنق بعضهم الكاثوليكية لاحقًا وكان لهم نصيب لوجود مبررات كثيرة أهمها أنها كانت مدعومة من الإيطاليين والفرنسيين عبر جهد تبشيري كبير نشط وخدمات مقدمة لا تقدمها الكنيسة الأخرى من تعليم وصحة ومساعدات.
وصلت الكاثوليكية إلى بلين بواسطة مبشرين إيطالين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تقريبًا .وبعض المبشرين الكاثوليك أتى من فرنسا .وقد تأسست بعثة بقوص – أرض البلين – بتاريخ 1852م .حيث بدأت التبشير بداية وسط قبيلة ترقي التي كانت تدين بالمسيحية الارثوذكسية وتواصلت في امتدادات جغرافية وبشرية مختلفة حتى وجدت قدمًا في أكثر من مكان وفي أكثر من قبيلة وكان ذلك ثمرة لجهود المبشرين الغربيين من إيطاليا أولًا وفرنسا ثانًيا ومن دول أخرى لاحقًا كلها أخذت تعمل على تنصير بقوص على الأقل منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ومن أشهر المبشرين الأب استيلا الذي وصل إلى بلاد بقوص عن طريق المنسع وكان معه سابيتو حيث أسسا معاً بعثة بقوص عام 1852م وكان الأب استيلا كاثوليكيًا وبدأ دعوته وسط بلين الترقي ويعتقد أنه أول من أدخل المذهب الكاثوليكي إلى بقوص وتبعه رهبان فرنسيون آخرون وقد تزايد نشاطهم في كل من بقوص وأكلي قوزاي[7].
بدأت المسيحية تنتشر ببطء شديد وسط القبائل الوثنية خلال قرنين من الزمان[8] شأن البلين في ذلك شأن المجموعات الأخرى في المنطقة إذ تسربت إليهم المسيحية وإن كان تاريخ اعتناق البلين للديانة المسيحية بالدقة غير معروف إلا أنه يعتقد كان مبكراً وأكيد أنهم كانوا مسيحيين قبل نزوحهم إلى إقليم عنسبا . وقد ظهر في وسط البلين نشاط تبشيري ثالث يدعو إلى البروتستنتات وله أتباع لكنهم قليلون جدًا بمقارنة بالأرثوذكس والكاثوليك. كل هذه الديانات نشطت تتنافس فيما بينها على قوم كان بعضهم وثنيًا وبعضهم على دين الكنيسة الأرثوذكسية . وقد قامت كل ديانة من المسيحيين بأنشطتها التبشيرية والتعليمية وأنشأت لها دور العبادة والكنائس وقد ساهمت الإرساليات الكاثوليكية خاصة في تعليم أتباعها ونشر مذهبها والتبشير في وسط من كان يدين بالأرثوذكس وذلك في القرن التاسع عشر .وقد وجدت قبولًا من المسيحيين البلين خاصة عند بيت ترقي– لأن بيت طوقي أسلموا إلا بيوت قليلة حافظت على مسيحيتها – وذلك بسبب جهود المبشرين الأب استيلا والآخر سابيتو فقد أسسا في بقوص عام 1851م بعثة تبشيرية بعدما طردا من إقليم تقراي وكانت هذه المناطق خالية من قساوسة منافسين من السكان والعلاقة بين البلين وسكان الهضبة لم تكن مريحة مما شجع البلين للإقبال على الديانة المسيحية الجديدة[9] وتخلص كثير منهم من الديانة الأرثوذوكسية كما أن الوجود المصري في مناطق البلين غازيًا قوياً شجعهم على طلب الحماية من هجمات الحبشة المسيحية وملاحقاتهم والتعايش معه والاحتماء به وذلك في العهد قبل الاحتلال الإيطالي.
الإسلام في البلين:
عندما ظهر الإسلام في الحبشة عبر البحر الأحمر منذ هجرة الصحابة الأولى والثانية ومرورًا بعهود الدولة الإسلامية من دولة الخلفاء الراشدين والدول: الأموية والعباسية والأتراك وأخيرًا الدولة المصرية التي ورثت تركيا كان لبلين نصيب من الإشعاع الإسلامي وقد بدا متأخراً حيث أخذ ينتشر أكثر ويتمكن منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي إلى درجة ضيق فيها على مساحة الديانة المسيحية التي سبقت إلى البلين. وبمرور الزمن رسخ الإسلام وسط مجموعات البلين بفرعيهم الترقي والطوقي ومن يستظل بظلهم من القبائل الأخرى وأكسب المؤمنين به من البلين شعور الانتماء إلى أخوة عالمية، من دون أن يكلفهم ذلك الانسلاخ من بيئتهم وعاداتهم التي كان الإسلام يتسامح إزاءها مالم تتصادم مع أساسياته ، كما مزج الإسلام بين المجموعات المسلمة المختلفة في إرتريا الأمر الذي نتج عنه تكوين هوية جديدة ذات وعي بالذات الإرترية المسلمة تعمل لأهداف مشتركة أدت إلى تحديد ملامح الهوية الإرترية ودفعت إلى تأسيس الحركة الوطنية في مرحلة تقرير المصير في الأربعينيات والكفاح المسلح في ستينيات القرن الماضي.
إن الاتجاهات التي ساهمت في انتشار الإسلام في حلحل بقوص– المصطلح يشمل الطرفين من البلين – حيث يسكن سواد الطوقي أو سواد الترقي في كرن وعيلا برعد وما جاورها وفي حلحل وقراها ومدنها المختلفة هي الطرق الصوفية المتمثلة في البيوتات الدينية والطريقة الختمية لا سيما المراغنة والخلاوي القرآنية ، وخريجو مراكز الإشعاع الإسلامي مثل أَلْقَدِينْ ، والمساجد وحلقاتها العلمية ، وحلقات الذكر والمديح النبوي ، و الاحتفال بالمناسبات الدينية كالأعياد والمولد والمعراج وعاشوراء وشهر رمضان واحتفالاته (العاياد) ، من منظور إطعام الطعام في رمضان ، والعيد وزيارة الأهل و الأقارب والأدعية والأذكار التي تقال في العيد ، وما يعمل في الأتراح والأفراح المرتبطة بالثقافة الدينية ، ولاحقاً قامت المعاهد والمؤسسات الإسلامية في إرتريا ومن تخرج من معاهد وكليات التعليم من طلاب البلين في السودان والأزهر الشريف والجامعات السودانية والسعودية وجامعات الدول العربية الأخرى لاحقا ،كل هذه المؤسسات والممارسات أدت دورًا كبيراً في ترسيخ الإسلام في حلحل بقوص حيث تخرج فيها عدد كبير من أبناء القبيلة ثم عادوا ليقوموا بأدوار تعليمية وتربوية في بلادهم وفي أهليهم.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصائات سكانية يقيينة توضح الفروقات من حيث العدد ومن حيث اتباع الديانة بين قبائل البلين يمكن القول من خلال الواقع الذي قد يصدق في تقديرات العارفين بالمنطقة وسكانها بأن بيت طوقي اعتنقوا الإسلام بعد المسيحيية ويوجد بينهم بعض الأسر المسيحية القليلة محافظة على ديانتها الأولى، وأن بيت ترقي التي كانت عريقة في المسيحية تحول الكثير منها إلى الإسلام لكن بدرجة أقل من بيت طوقي . أما المكونات الأخرى التي تكمل قومية بلين في القبيلتين فهي على الإسلام جملة وتفصيلاً الأمر الذي يجعل السواد الأعظم من قومية البلين مسلمين.
النشاط الاقتصادي لقبيلة بلين :
تعتمد بلين بكل فروعها على أنشطة اقتصادية تعيش عليها ويأتي في مقدمها:
الزراعة:
وهي تؤدى بالطرق التقليدية وإن نظام الأرض القائم عندهم هو نظام توارث العائلة للأرض ، فتزرعها الأسرة بنفسها أو تؤجر الأرض بمقابل مالي أو بالنظام المعروف بجزء مما تنتج الأرض وإن عملية الزراعة تبدأ بتنظيف الأرض ثم حرثها بالمحراث باستخدام الثيران ثم تنظيفها مرة أخرى من الحشائش التي تخرج مع الزرع بالحش. والمعروف أن موسم الزراعة في المنطقة مرتبط بهطول الأمطار والمطر يهطل في الغالب في الشهور الأربعة من يونيو إلى سبتمبر من كل عام ، وإن تأمين الغذاء للعام كله يتوقف على تلك الشهور وتتأثر سلباً وإيجاباً بكمية الأمطار الهاطلة .
المنتج الزراعي ليس فيه مادة تذهب هدراً لأنها تتجه إلى تصنيف يوزعها إلى قوت للناس وعلف للماشية وإلى ما يمكن تصديره إلى مناطق أخرى أو استهلاكه محليًا بعد تخزينه لموسم الجفاف .
أمّا أنواع المحاصيل التي تزرع في حلحل بقوص فكثيرة ومتنوعة وتختلف من منطقة إلى منطقة أخرى فعلى سبيل المثال في المناطق المرتفعة يزرع الشعير والقمح ، والذرة الرفيعة ،والذرة الشامية ، داقوس ، الكتان ، النحق ، الفاصوليا بأنواعها المختلفة . أما في المنخفضات فتزرع الذرة والدخن والفول السوداني،فمناطق سروا وباب جنقرين وعنسبا أفضل المناطق لزراعة تلك المحاصيل ” وأجود أنواع الفول هو ما كان يزرع في منطقة عنسبا، وباب جنقرين، لأن من أهم مميزات أرض عنسبا أنها صلبة ، وحمراء ، لذا تسمى بالأرض (القيح) .
عموما إنّ الزراعة في مناطق البلين وخاصة الخصبة منها كان عائدها مجديًا مع اختلاف المواسم ومستوى هطول الأمطار. ويبيع المزارعون في هذه المنطقة جزءاً من انتاجهم وخاصة الفول لتوفير السيولة النقدية لشراء الاحتياجات كما أن هناك منتجات وفيرة من الفواكه تصدر إلى السوق وتوجد مزارع خاصة بالفواكه على ضواحي المدينة كرن وقرى والحزام الأخضر في عنسبا مثل مزارع وجنائن علابرعد[10]– وهي مزارع جديدة في مواقع كثيرة صغيرة المساحات حسب قدرات الأفراد ومبادراتهم المنتجة وهي غير جنائن ومزارع الإيطاليين الشهيرة في عيلا برعد وغيرها– وقد استفاد المواطنون من الإيطالين الخبرة في الزراعة البستانية والفواكه بكميات استثمارية إذ كانوا عمالًا فيها ويتابعون الدورة الزراعية المنتجة فاقتدى بالايطاليين كثيرون في استصلاح أراضي حول الوديان الرئيسة والأراضي الخصبة وتوسعت الزراعة إلى درجة تزود المواطنين بحاجتهم منها كما تمد المدن الأخرى بمواد خام زراعية تعزز جهد المصانع الوطنية أو الاستهلال العادي .
الرعي:
توجد لدى بلين ثروة مقدّرة في القطاع الرعوي. وإن رعاتها كانوا يذهبون إلى أماكن بعيدة في المواسم المختلفة بحثًا عن الكلأ والماء حتى يصلوا إلى مناطق القاش غربًا وإلى مضارب سمهر مثل شعب شرقًا .
هذه الثروة بدورها كانت تساهم في تحديد المكانة الاجتماعية لأصحابها بناءً على ما يملكون من الثروة الحيوانية. أما أنواع الحيوانات الموجودة في هذه المنطقة فهي في الغالب تتكوّن من الأبقار والأغنام والضأن والإبل وحيوانات أخرى للركوب مثل الحمير والبغال . ففي المناطق المرتفعة تكثر تربية الأبقار والضأن أمّا في المنخفضات مثل سروا وجنقرين وعنسبا وفانا فتكثر فيها تربية البقر والغنم والإبل ، كما كانت تعج بالحيوانات غير الأليفة كالبقر الوحشية والغزلان والحمر الوحشية وبالحيوانات المفترسة كالنمور والأسود والذئاب .. وغيرها .كل ذلك يعد موارد اقتصادية مهمة تسهم في تنوزيع موارد السكان الاقتصادية وتزيد في غناهم ورفاهيتهم.
التجارة والحرف :
إنّ هذا القسم من النشاط يشمل قطاعاً واسعاً من النشاطات الاقتصادية من التجارة بمختلف مستوياتها نوعًا وحجمًا وإنتاجاً يقوم بها المواطن العادي في هذه المناطق مثل المصنوعات الخشبية ومهنة الخياطة والحياكة ، أو التجارة أو المطاعم الصغيرة وبعض المواطنين يستثمرون بطريقة عصرية في الإنتاج الزراعي والحيواني أو في القطاعات الحيّة الأخرى بأحجام متوسطة أو كبيرة وبعضهم ينشط في عملية الإيراد والتصدير . ولهم نصيب وافر في أهل المهن المتنوعة الصغير منها والكبير كالحدادة والنجارة والبناء والمعلمين والأطباء والمهندسين والإداريين والكتاب والفنانين … [11]–
[1] ـ محمد جمعة إسماعيل عثمان طلوق ، التسلسل الهرمي لبيت طوقي في إصدار الأحكام وفصل المنازعات ، مقال منشور، في ملتقى أبناء بيت طوقي بتاريخ 9 سبتمبر 2012.
[2] الزركلي ، الأعلام، مصدر سابق ، ص ، 26.
[3] ـ أحمد الياس حسين . من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحديثة . مقال منشور في الصحافة بتاريخ 30 يوليو 2011 م العدد 6479 . ص، 3.
[4]الإدريسي ، نزهة المشتاق في احتراق الآفاق ، مصدر سابق ،ج1 ص 47.
[5] أحمد إلياس ، مصدر سابق ، بشئ من التصرف ، ص 2.
[6] المصدر السابق ، ص ، 2-3.
[7]أدولفو روسي ، إرتريا اليوم ، مذكرات رحلة بعد معركة أغوردات ، 1894م ، ص 82. فرديناندو مارتيني ، مصدر سابق ، ص 123.
[8] سبي ، تاريخ إرتريا ، مصدر سابق ، ص ، 34.
[9] Michael Ghaber , Op.Cit.p.19-20.
[10] جغرافية ارتريا ، عثمان صالح سبي ، ص 141.
[11] المادة كلها ملخصة من كتاب : تاريخ البلين الماضي والحاضر ، دكتور إدريس أبوبكر جميل.
