الغات في ارتريا:

توجد في  إرتريا تسع قوميات ، لها تسع لغات أو  لهجات، كل قومية تتحدث بلهجتنا وكثير منها يعرف لهجات القوميات الأخرى نتيجة للمجاورة في السكن والأرض أو النضال المشترك أو التواصل والتلاقي في التعليم أو الأسواق والمعيشة  والمصالح المشتركة او التداخل الاجتماعي وتنتشر بعض هذه  اللهجات في مناطق يكثر فيها سواد كبير من الناطقين بها فالدناكل على سبيل المثال لهم لغة في جنوب البحر الأحمر فأرضهم هناك ، ولباقي اللهجات مثل ذلك وقد اجمع المسلمون في إرتريا منذ اربعينيات القرن الماضي أن تكون للوطن لغتان رسميتان : العربية خيار أ  للمسلمين  والتقرنية  خبار ا للمسيحيين وهما متساويتان في الوطن .ومنذ ذلك الوقت والجدل قائم بين مسلمين اتفقوا على العربية لغة للدولة رسمية بجانب التقرنية و قوى أخرى تعمل على هيمنة التقرنية واقعا على الرغم من سياسات علنية تزعم أن جميع اللغات الإرترية متساوية وهي السياسة التي تعلنها السلطة الحاكمة بعد الاستقلال  بينما  الواقع  الرسمي يوضح أن التقرنية ممكنة وبقية اللهجات مستضعفة مهمشة .

 ومن حيث الواقع  الجماهيري نجد أن اللغة العربية منتشرة في إرتريا انتشارا  كبيرا يتجلى ذلك في:

١- أنها متمكنة في الشارع حيث يعرفها ويتواصل بها   معظم الشعب الارتري المسلمون منهم   وغير المسلمين.

٢- تتقوى يوما بعد يوم لانه يتعلمها أبناء المسلمين  وعدد مقدر من ابناء المسيحيين سواء كانوا في الوطن مدنيين ومناضلين  أو  كانوا عمالا في الدول العربية أو لاجئين أو طلابا  في مؤسسات التعليم العربية المختلفة.

٣- كلما اشتدت ضغوط السلطة الحاكمة اشتد اهتمام المسلمين بها في إرتريا وأخذت تتنامى الأصوات المطالبة بجعل اللغة العربية لغة رسمية  للدولة إلى جانب التقرنية إيفاء بما قرره واعتمده الأجداد والآباء  التاريخيون من المجتمع الإرتري.

٤- ترتبط إرتريا  بالمحيط العربي فمصلحتها توجب على السلطات الحاكمة اتخاذ موقف إيجابي تجاه اللغة العربية لتحقيق مقاصد اقتصادية  للوطن وللمواطن  ولبناء علاقات إيجابية مع المحيط العربي المجاور والمناصر   .

٥- لا يوجد ما يوجب  نفرة حقيقية بين اللغة العربية وبين كثير من اللهجات الإرترية لان موقف الناطقين بها إيجابي من العربية  و حتى التقرنية التي يتحدث بها المسيحيون ذات علاقة أصيلة باللغة العربية فكلتاهما تنتمي إلى السامية يثبت  ذلك  علم تاريخ اللغات ويظهر    أيضا   في مفرداتها وتاريخها وطرائق التعبير بها و كما يؤكد ذلك مصادر دينها وكتبها  المقدسة .

٦- من حيث الناريخ تتضح حقيقة أن اللغة العربية كانت في   هذه البلاد في الجاهلية  قبل الإسلام والمسيحية   حتى  هاتان الديانتان الرسميتان    في إرتريا :  أتتا إلى الحبشة باللغة العربية ولا تزال الكنيسة الحبشية  – الإثيوبية والإرترية – تتواصلان مع الكنيسة المصرية القبطية تواصلا يفرضه ولاء و عقيدة ولغة وتاريخ ومصالح مشتركة.

٧- في التاريخ  السياسي كانت اللغة العربية رسمية في تلك البلاد  غرب البحر الاحمر التي وصلت إليها  الدولة   الإسلامية في عهودها المختلفة من عهد النبوة حيث هاجر المهاجرون الصحابة رضي الله عنهم واستقروا  بلغتهم العربية  ودينهم الإسلام  في الضفة الغربية للبحر الاحمر وقد سبقتهم اللغة العربية في تلك الديار عبر موجات الهحرة  المختلفة التاريخ والأسباب ،  ومن خلال العهود اللاحقة المتمثلة في دولة  الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين  والممالك الإسلامية وحتى الخلافة التركية والعهد المصري الذي ورث الأتراك كانت اللغة العربية رسمية يتعامل بها الحاكم والمحكوم .

٨- وفي عهود الاستعمار ظل المسلمون الإرتريون يتشبثون  باللغة العربية ، يتحدثون بها ويعلمونها أبناءهم  وينشئون  لتعليمها وتعليم الإسلام الخلاوي القرآنية والمعاهد الدينية ويصدرون  باللغة العربية الصحف  المجلات الثقافية والسياسية رغم ما تعرضت له من مضايقات  متفاوتة القسوة قام بها الاستعمار الإيطالي الذي فرض لغته ، والايجليزي الذي عمل على  مشروع ضم  إرتريا إلى إثيوبيا قسرا  ؛ وقد  سن سياسات  داعمة للانضمام لا الاستقلال  سياسات عززت  لغة الاستعمار الامهرية واقصت  اللغة العربية عن الحياة العامة وعن التعليم وعن   التصدر . ومع ذلك ظلت العربية قائمة تغذيها المؤسسات الأهلية والمبادرات الفردية التي اوجدت  منابر تعليمية واعلامية وثقافية  منافسة للغة الاستعمار ويقف خلفها مؤيدا داعما المسلمون افرادا وجماعات واحزاب وطرق دينية وثورة وقد خصصت للتعليم العربي مؤسسات تعليم  كبيرة فقد أنشأت الثورة بفصائلها المختلفة  وبدرجات متفاوتة مدارس نتكون من مراحل مختلفة من الروضة حتى المرحلة الثانوية   وخرجت منسوبيها إلى الجامعات في التخصصات المختلفة وتلقى طلابها منحا دراسية  من دول عربية كثيرة .

كل ذلك يجعل الجدال غير قادر على حجب اللغة العربية عن مكانتها الطبيعية في الوطن على المستوى الرسمي والشعبي ولهذه العوامل   وما يشابهها لا يوجد مبرر مقنع ينفر به  بعض مسيحيي إرتريا عن اللغة العربية ويتعاملون معها تعامل الخصومة والعداء  في إدبار واضح عن الحقيقة الدينية والتاريخية والمصلحية.

التجري أو التجرايت:

اسمٌ لِلِغَةٍ يتحدث بها كثير من سكان أرتريا  وشرق السودان وتسمى ” تقري ” و ” تقرايت ”  وقد تكتب بالجيم بدل القاف وبهما مضت كتابات المؤلفين وفي النطق بكلتا كتابتيها تشابه حرف ”  G ”  . وهي لغة مشافهة لدى الكثير من المتحدثين بها مع ملاحظة أن بعض الكنائس الأرترية كتبتها بالحروف التي تكتب بها اللغة التقرنية والأمهرية  وترجمت إليها بعض الكتب المقدسة ثم توسع استعمالها  فاتخذت لغة الثقافة والكتابة  لدى سواد من المواطنين  حتى كان يذاع بها الأخبار وتنشر بها الثقافة  كما أن بعض الجهود الرسمية  في أرتريا كتبت التقرايت بالحروف نفسها وفرضوا تعليمها بناء على سياسة  الحكومة التي اعتمدت أن يكون التعليم بلغة الأم. والتقرايت يقال إنها أخت التقرنية والأمهرية  والعربية يجمعهن الأصل السامي  وتوجد كتابات تفيد أن التقري أصل للعربية الفصحى  الحديثة لكونها لا تزال تحتفظ بالطابع البدوي البعيد عن الحضارة المتجددة .

أصل التقرايت:

الأستاذ أبو سلمان توصل من خلال بحثه إلى أن اللغة التجرية  هي إحدى اللغات الإفريقية الآسيوية من الفرع السامي وتجد أصلها في اللغة السبئية أو  الجعزية – وقد تنطق : الجئزية –  في جنوب شبه الجزيرة العربية  سيما القديمة والتقرايت  يتحدث بها حوالي : 000 298 1 معظمهم في أرتريا وأكد أن معظم الناطقين بها اعتنقوا الإسلام فامتزجت لغتهم القديمة بالعربية التي نزل بها القرآن الكريم وقد ساعد ذلك على انتشارها بينهم  مع الاحتفاظ بالتقرايت على قدر كبير من خصائصها وحضورها الكثيف في واقع الناس . ” وتلتقي اللغة التجرية مع التجرنية – لغة الجنوب  والوسط الأرتري وشمال إثيوبيا  – في جوانب كثيرة من حيث المفردات والتراكيب مما يدل على انتمائهما إلى فئة اللغات السامية مثل العربية …” [1]

وقال الزعيم الأرتري عثمان صالح سبي حول معنى ” جئز ” :

تعتبر جعز – والأصح جئز – أقدم لغة سامية في شمالي شرقي أفريقيا وقد كانت لغة القبائل السبئية التي نزحت إلى هضبة أرتريا وهضبة تقراي من جنوب الجزيرة العربية ) وأوضح سبي أن معنى جعز بمعنى رحل في لغة التقرايت وهي واحدة من اللغات التي تنتمي إلى السامية وقد تطلق جئز على ” الأحرار ” تمييزًا لهم على العبيد الذين كانوا كثرة كاثرة في تلك العهود السحيقة   [2]

كما تلتقي التقرايت مع بعض لهجات يمنية في بعض مناطق اليمن البدوية التي لم تتأثر بالحضارة والمدنية . يظهر هذا  الاشتراك في المفردات والتراكيب والصيغ التعبيرية من أسماء وأفعال وحروف وضمائر فالمتحدث بالتقرايت قد يجد عدم الغرابة بين لغته وبين لغة بعض  أهل البادية والقرى الزارعية والرعوية من سكان اليمن.

علاقة التقرايت بالنبطية القديمة :

تحدث الأستاذ أبو سلمان عن علاقة التقري بالنبطية القديمة وذلك مما يؤكد قدمها وذكر ما سماه  أدلة على أن التقري لغة نبطية موضحاً أن التقرايت قديمة وليست وافدة حديثة  الميلاد فقد بين أنها تتصل نسبًا باللغة النبطية وعقد مقارنة بينهما لإثبات النسب بين اللغتين في محاولة منه لإثبات أن التقرايت أصلها لغة نبطية وسرد من الأدلة ما يعزز هذه الرؤية فقال :

  • وجود خواص وقواعد قيل إنها نبطية في كل من لغة البداويت الجارة الشمالية للتقري واللغة العفرية الجارة الجنوبية لها اللتين تصنفان ضمن اللغات الحامية .
  • كثير من القواعد التي قيل إنها نبطية مازالت مستخدمة في التقري إن لم تكن من الأصول فيها .
  • اشتراك اللغتين هو اشتراك في الأصول لا الفروع مما يدل على قوته .

يفترض الكاتب  أن لغة التقري يمكن أن تمثل صورة أقدم للغة العربية القديمة مقارنة بالنقوش النبطية . والكتاب يتحدث في أن لغة التقري  تمثل أقدم لغة أو لهجة عربية وذلك لاحتفاظها بالأصول القديمة . [3]

انتشار التقرايت :

ومما يؤكده الواقع  أن لغة التقري يتحدث بها سواد كبير من الشعب الأرتري المسلمين منهم وغير المسلمين وتكاد تكون اللغة المشاعة الغالبة في الإقليم الغربي والشمالي  والشرقي وتزاحم التقرنية  والبلين  في مدن إقليم عنسبا . و لها حضور في العاصمة أسمرا كما أنها ليست غريبة في دنكاليا والإقليم الجنوبي  حيث يوجد من يتحدث بها هناك أصالة أو لأنها وفدت مع الناطقين بها إلى تلك الأقاليم جنودًا أو طلابًا أو استقراراً .  وفي السودان يتحدث بها قبائل البني عامر والحباب في الولايات  الشرقية : كسلا ، البحر الأحمر والقضارف وفي كثير من ولايات السودان حيث يقيم أبناء الولايات الشرقية الناطقون بالتقرايت .

وتحدث الأستاذ أبو سلمان حول  انتشار التقري  فقال :

اللهجة التجرية وتستخدم هذه اللهجة في المناطق الواقعة في الشمال من منطقة التقرنية وهي كثيرة الشبه بالجعزية  … ونص الكاتب على أن معظم المتكلمين بها  ” من القبائل الإسلامية التي تقطن المنطقة الساحلية من مصوع إلى سواكن وجزر دهلك .”  [4]

أهم مظاهر الاتفاق بين العاميات العربية والتقرية :

وذكر أبو سلمان أن لغة التقري تتفق مع اللهجات العامية في الوطن العربي في عدة نقاط:

  • التطابق في ابتعاد البيئات الحضرية عن الأصول البدوية التي تمثل الأساس في اللغتين.
  • الخلو من بعض الأصوات مثل الظاء والذال والثاء
  • الخلو من الإعراب والاشتراك في التسكين
  • إلزام الأسماء الخمسة وجمع المذكر السالم حالة واحدة
  • وجود صيغة الملكية مثل : الكتاب ( حقي أو بتاعي ، أو مالي .. في العاميات العربية وفي التقري لكتاب ( نايي ، نايك ، نايك ، نايكم ، نايكن .. ” حيث : ناي ” تدل على الملكية كما توجد صيغة : كتابي ، كتابك ، كتابك : كتابكم ، كتابكن .. وهذا يعود لما هو موجود في أصول اللغة العربية .
  • وجود اسم الموصول : اللي ” حيث يقال في التقري : اللينا . بمعنى الذي لنا وكذلك : لكتاب اللي أنت نَصَأْكُهْ ، بمعنى الكتاب الذي أنت أخذته . وهذا يدل على العلاقة بين التقري والعاميات فيما لم يذكر في اللغة الفصحى ، حيث يقال : إن وجود اسم الموصول ” اللي” في كثير من العاميات العربية يدل على قدمها وإن لم تذكر في كتب اللغة العربية .

7 – وجود الفعل المساعد في المضارع مثل ” قاعد يكتب ، دي يكتب ” وفي التقري : كتب هلا ” أي يكتب .

أهم مظاهر الاختلاف بين التقري والعاميات العربية :

  • لغة التقري أقرب للفصحى من العاميات العربية بوجه عام
  • لغة التقري أقرب لما قيل إنها لغات نجد من لهجة نجد الحديثة
  • علاقة التقري باللهجات اليمنية هو الاشتراك في المفردات أكثر من الاشتراك في القواعد سواء في اللغات المعجمية أو اللهجات الحديثة ، مثل : الشناتر وهي الأصابع بلغة اليمن وهي الزوائد على الجسم مثل الأصابع أو نتيجة التمزيق للجلد .
  • نسبة الخلف للعربية في التقري تختلف في نوعه وشموله عن الخلف في اللهجات العربية الحديثة وذلك لبقاء التقري في البيئة البدوية فهي شديدة المحافظة على الأصول.

 تكاد التقري أن تمثل ملخصًا أو مختصرًا لتاريخ اللغة العربية منذ عصر التاريخ البعيد مقارنة باللهجات العربية الحديثة وذلك لما تبديه من علاقة بالأكدية ثم النبطية التي قيل إن اللغة الجاهلية تطورت منها ثم النجدية التي جمعت منها العربية المعجمية ثم اللهجات العربية الحديثة . [5]

الكتابة بالتقرايت:

لا تعرف اللغة التجرية أية حروف هجائية  تاريخية لكن ذكر بعضهم أنها قد كتبت  قديماً بالحرف العربي  أما الحكومة الإثيوبية المتعاقبة فقد استخدمت الحروف الجئزية لكتابة التقرايت وثقت بها الوثائق الرسمية كما كتب بها مبشرون سويديون لأغراض ترجمة الإنجيل وبها كتبت الرسائل الإعلامية في إصدارات الدولة الرسمية . أما المسلمون الأرتريون فهم كانوا يفضلون اللغة العربية على غيرها في الجوانب الثقافية والدينية يحصرون التقرايت في الخطاب الشعبي شعرا ونثرًا . ولعل ذلك نابع من حرصهم على الدين الإسلامي الذي يرتبط  عندهم كليًا باللغة العربية في مصدريه القرآن الكريم والسنة النبوية كما ينظرون إلى كل محاولة تبعدهم عن العربية في المجال الثقافي بأنها لا تخلو من الكيد مما يزيدهم نفوًرا عن كتابة التقرايت والتأصيل لها خوفًا من أن يكون ذلك خصمًا على  اللغة العربية . قال د.عمر حجاي :

” ونظرًا لارتباط اللغة الجئزية بالكنيسة الأرثوذوكسية  الإثيوبية فإن الإرتريين الذين يدين معظمهم بالإسلام يفضلون كتابة لغتهم بالحروف العربية التي يكتب بها القرآن  الكريم فضلًا عن أن أحرف اللغة الجئزية المستخدمة في اللغة الأمهرية لا تتناسب مع المخارج الصوتية الطويلة للغة التجري وهو عامل مهم فيها   [6].

ولعل الدكتور عمر حجاي يقصد أن مسلمي أرتريا يكتبون العربية بحروفها وأن الناطقين بالتقرايت يحافظون على اللغة العربية أكثر من حرصهم على لغتهم المحلية وهذا موقف صحيح يؤيده التاريخ كما يعززه الواقع فإن مسلمي أرتريا عامة اختاروا أن تكون العربية لغة رسمية لبلادهم إلى جانب التقرنية التي تمثل لغة ثقافة ودين للمسيحيين الأرتريين .

[1]–   لغة بلويت ” تقري ” ، د. عمر علي حجاي ، ص 29 –

[2]–   تاريخ أرتريا ، عثمان صالح سبي ص 28 ..

[3]–   الوصول إلى لغة الأصول  ، أبو سلمان صالح ود إدريس  ، ط 1433هـ – 2012م ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، ص 46

[4]–   – الوصول إلى لغة الأصول  ، مرجع سابق ،  ص 32  وص : 414

[5]–   نقل بتصرف من كتاب:  الوصول إلى علم الأصول ،  ص 172

[6]–   د. عمر علي حجاي ، مرجع سابق .

لغة البلويت ،  فهرسة المكتبة الوطنية أثناء النشر – السودان ، 493.3 عمر علي حجاي الخرطوم . اللغات الأفروآسية – لغة البلويت – السودان –  ص29  – 31