الوضع السياسي بعد الاستقلال:

الحديث هنا خاص بالمرحلة ما بعد الاستقلال وفيه مشهد النظام الحاكم ومشهد معارضيه  فقد  نشأ بعض قوى المعارضة الأرترية في الخارج قبل الاستقلال، وتواصلت في عملها ضد النظام ؛ فهي تمثل طرفًا سياسيًا نشطًا وإن اختلفت فصائله وبرامجه، وبعضها خرج للمعارضة  الخارجية بعد فشله في التعامل مع النظام الحاكم في الداخل ، وهذا مولود لاحق يقوى المعارضة السابقة، كما أن هناك قوى معارضة من الداخل كانت لها مبادرات إصلاحية ؛ بعضها اختار أسلوب المواجهة العسكرية والآخر يمثل المعارضة السلمية،  وكلا الطرفين  تعرض لقمعٍ  ظالمٍ وقاسٍ من النظام الحاكم .

كل ذلك يسعه مصطلح ” الوضع السياسي ” لأنه عمل سياسي يمثل النظام ومعارضيه مما يصلح أن يندرج تحت المصطلح : النشاط السياسي الذي يقوم به النظام الحاكم وما يقوم به معارضوه من نشاط مناوئ وما يتولد بين الطرفين المتعارضين من مواقف وأحداث متكررة.

وحسن أن تدخل قوى المعارضة الخارجية في هذا الباب لأنها تعمل سياسيًا ضد النظام مختلفة أو موحدة وتأثيرها بالداخل محدود لكنها تنشط في أجواء وميادين مريحة في دول المهجر . ولهذا يكون التركيز على المعارضة الداخلية لكونها هزت النظام هزًا أخافه،  وتعرضت لقمع قاس على يديه  خوفًا من تناميها المهدد للحكم القائم حسب تقديرات النظام لحال معارضيه .

بالنظر إلى الوضع السياسي القائم بعد الاستقلال تتجلى  المشاهد السياسية التالية:

  • انفراد النظام الحاكم بإدارة البلاد فهو الذي يشرع ماشاء، ويحكم كيف شاء، ويستعين من الشعب بمن شاء، ويقصي من شاء . والحزب الحاكم الذي يستمد النظام منه الشرعية هو امتداد للتنظيم الثوري الذي كان يناضل من أجل التحرير تحت اسم الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا الذي تغير بعد الاستقلال إلى الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة وذلك في المؤتمر الثالث الذي عقد في منتصف إبريل عام 1994م.

 وقد وضع الحزب الوحيد في فجر الاستقلال برنامجًا سياسيًا دستورياً مبشراً من مبادئه الديمقراطية والمحاسبة والشفافية والتعددية السياسية وقيام المؤسسات الدستورية وهي مبادئ مبشرة لكنها خذلها  التطبيق العملي .

  • تم تشكيل مفوضية الدستور في إبريل عام 1994م برئاسة د. برخت هبتي سلاسي – هاجر خارج الوطن منضمًا للقوى السياسية النشطة – وعضوية أماري تخلي وطه محمد نور – تم اعتقاله وتوفي في السجن- وآخرين  وهي لجنة معينة من جهة سياسية حاكمة الأمر الذي يقلل من شرعيتها وحياديتها  ومع ذلك لم يدم لها البقاء فقد تجاوزها النظام وتجاهلها وتشتت أعضاؤها بين ميت ومهاجر وخامل  .
  • تم طرح مسودة مشروع تأسيس الأحزاب للنقاش العام في مطلع مارس 2001م لكنها لم تفعل عمليًا وظل الوضع السياسي يحكمه حزب واحد .
  • تم طرح مسودة الانتخابات التي تحتوي على قانون الانتخابات ويتكون من 68 مادة التي تحدثت في تفاصيل عن التداول السلمي للسلطة وعن كيفية إجراء العملية الانتخابية والأسباب التي يسقط بها حق الترشيح أو الترشح ونصت على أن 30% من مقاعد البرلمان للمرأة ..وكانت النتيجة أنه لم يفعل القانون عملياً.
  • تم تشكيل الحكومة الانتقالية من قبل الحزب المنتصر وتم اختيار أسياس أفورقي رئيسًا للدولة بعد إبريل عام 1993م الموعد الذي أعلن فيه شرعية الدولة الأرترية التي اعترف بها المجتمع الدولي . كما تم اختيار المجلس الوطني الذي يتكون من 150 عضوًا روعي فيه الولاء التنظيمي دون أن يكون فيه مشاركة مشروعة من القوى المعارضة أو من أحزاب تنشأ داخل الوطن لها مرامج سياسية مروج لها. انتهى الأمر بتشكيلة المجلس الوطني – البرلمان غير المنتخب جماهيراً – . إلى الخمول لصالح حكومة الرئيس والحاشية المتنفذة.
  • قمعت كل الآراء المعارضة للنظام ذي الحزب الواحد بأدوات قاسية من سجن وقتل وتغييب وهجرة هاربة من البطش كما تم تجميد الدستور والمجلس الوطني وتلاشت سلطات تنظيم الجبهة الشعبية للديقمراطية والعدالة فأتيحت الفرصة للسلطة الحاكمة أن تدير البلاد بما تهوى دون رقابة من شعب ، ولا من أحزاب، ولا من دستور يهذب سلوكها ، ولا من تنظيم سياسي تواليه وتحترمه ويشرع لها ويراقبها وينصحها ويعينها أو يعزلها .

 ظهرت انتهاكات لحقوق الإنسان وكبت الحريات على نطاق واسع  تحدثت عنها تقارير دولية استهدفت مسلمين – منذ فجر الاستقلال أمثال القاضي محمد مرانت  نصور– اعتقل بتاريخ  / / 1991م – ومعلمي المعاهد  أمثال عثمان عبد النور- قندع –  وموسى إبراهيم فرج الله – قندع – عبده سيد \إسماعيل – قندع – وعبد الله العليم محمد علي زرؤم ،- كرن –  وعبد الرحمن علي أمحراي – كرن – ومحمد حامد عثمان – كران =  وغيرهم تم الاعتقال عام 1992م     في عام 1994م  قام النظام بحملة جديدة استهدفت المعلمين في مواقع مختلفة من أرتريا أمثال يسن حامد نافع – كرن = أحمد مسمر |إبراهيم – كرن –  وما تلا ذلك أو سبق  [1]

  •  وشملت الاعتقالات بعضًا من مسيحيين من الطوائف الثلاث بدرجات متفاوتة وذلك عندما أظهروا المعارضة لسياسات وسلوك النظام .

ومن حيث الحريات فقد تم إيقاف الصحافة المستقلة منذ 18 سبتمبر 2001م ونفذت حملة  الاعتقالات على الصحفيين بينهم 29 صحفيًا يقال إن بعضهم تم إعدامه بعد الاعتقال . وبهذا تحتل إرتريا الدولة رقم 175 من أصل 181م دولة حول العالم من الدول التي تنتهك حرية الصحافة والإعلام حسب تقرير ( صحفيون بلا حدود.. )

ويأتي ضمن كبت الحريات حظر إنشاء الأحزاب السياسية أو ممارسة أي نشاط معارض لسياسة الحكومة حتى لو كانت منابر مساجد وخطاب صلاة الجمعة .

  • – حفاظًا على كيانها من الهزات الداخلية نشطت الدولة في العمل العسكري تجنيدًا وتسليحًا وخوض معارك بكل الاتجاهات وهي تمتلك ما يزيد عن حاجتها من الجيش فقواتها البرية  كانت عام 2000م  أكثر من ربع مليون جندي مع القوات الاحتياطية يضاف إلى ذلك المليشيات الشعبية التي تجبر على التجنيد وعلى المعارك عند الحاجة. ويأتي بعد الجيش من حيث العدد منسوبو جهاز الأمن فقد بلغ حتى عام 2010م أكثر من خمسة وعشرين ألف عنصر موزعين على كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية  ومرافقها المختلفة وبين المواطنين والفئات والقطاعات المدنية حتى الدبلوماسية والسفارات يتتبع سلوكها جهاز الأمن كما كشف ذلك سفراء ودبلوماسيون انشقوا عن النظام مثل السفير السابق محمد نور أحمد – المقيم في استراليا لاجئًا – ومن تحدث عن سلوك النظام العدواني في الجوانب الأمنية المهندس سليمان هندي الذي تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في السودان رقد بعدها في المستشفى للعلاج من جراح بليغة أصيب بها   .  فهذا الجهاز مؤتمن على حماية النظام  ومن مهامه الانتقام من الخصوم المخالفين .

والقوات البحرية والجوية تضم أعدادًا أقل وإمكانيات تسليح جيد مما يتيح لها القيام بمناشط بحرية تزعج دول الجوار .

 كل هذه الأجهزة العسكرية والأمنية تستهلك الحظ الوافر من إجمالي  الناتج الوطني على قلته فقد بلغ حجم الانفاق العسكري خلال عام 1999م ما يعادل : 271 مليون دولار بما يعادل 38.5% من الناتج الوطني وتفيد التقارير العالمية أن أرتريا تحتل المرتبة الثالثة من حيث  حجم جيشها مقارنة بعدد سكانها .

  • – تعطلت التنمية الوطنية فالبلاد عاشت في التهريب لتوفير المواد الضرورية كما ضعفت  الطاقات المحلية  عن الانتاج المحلي لعدم وجود رأس المال ونتيجة لسياسة الإفقار الممنهج التي تتخذتها الدولة ، من بين ذلك إجبار القوى المنتجة على خوض المعارك مع الجيش وعدم إتاحة الفرصة للعمل المنتج  فغياب أساسات التنمية يؤدي إلى تراجع الوطن نحو الخلف  .
  • – نتيجة لعسكرة المجتمع ، وكبت الحريات وتوقف العمل والانتاج والبناء والتنمية وهربًا من الخدمة العسكرية طويلة الأمد وكرهًا للحروب العبثية  التي ظلت تستعدي كل دول الجوار ، وبحثًا عن تحسين المعيشة وممارسة الحرية لكل هذه الأسباب تضاعفت موجات الهجرة إلى خارج الوطن  وبناء على ذلك يقيم أكثر من  ثلث الشعب الأرتري تقريباً في دور الهجرة  . [2]

 

[1]– مدونة أنجابا فيها قائمة تضم 187 معتقلا من مختلف الفئات المهنية والدينية .ANJABBA.BLOGSPOT.COM

اللاجؤون الأرتريون .. المشكلات والتحديات والحلول . ص 106 – 130 من مجلة دراسات القرن الأفريقي ، العدد الثامن ، يوليو 2017م

[2]– أرتريا خلال عقدين ( 1991م – 2022م ) ص  54 – 64 – وانظر :

اللاجؤون الأرتريون .. المشكلات والتحديات والحلول . ص 106 – 130 من مجلة دراسات القرن الأفريقي ، العدد الثامن ، يوليو 2017م

المعارضة السياسية:

أجبر النظام الأرتري بعد التحرير معارضيه  وبسبب سلوكه العدواني على أن تنهض مجاهداتهم ضد سياساته بأشكال مختلفة بعضها سلمي؛  وهو يتجلى في معارضة الخارج ، وبعضها جمع بين السلمي والعسكري ويصدق ذلك على معارضة الداخل.

معارضة الخارج  السلمية :

المراد بها هي القوى السياسية النشطة التي تعارض النظام الأرتري  انطلاقًا من دور المهجر، وهي لا تتواصل مع النظام على اعتبار أنه يرفض وجودها و يتعالى على الحوار معها فالطريق بينها وبين النظام مسدود.

 ونتيجة لانسداد الحوار بين الطرفين ونتيجة طبيعية لعجز النظام عن توفير مقومات الانتاج والتنمية  وإقامة الحكم الرشيد في الوطن ظهر استمرار المعارضة الأرترية بعد التحرير في الخارج التي تعمل على فضح السلوك العدواني للنظام الأرتري أمام الرأي العام العالمي والأرتري وذلك من خارج الوطن حيث يقيم لاجئون أرتريون يقدر عددهم بأكثر من ثلث السكان فمئات الآلاف  منهم  يقيم في السودان،  إذ قدر العدد المسجل لدى إدارة اللاجئين ووضع تصور إعادتهم إلى بلادهم عام 1994م بــــــــــــ: خمسمائة الف لاجئ ومثلهم  عدد آخر غير مسجل . [1]

ومئات أخرى في إثيوبيا ودول الخليج وما يقدر بعشرات الآلاف يقيم في الدول الغربية .إنهم عدد ضخم وسوادهم معارض للنظام ولهم نشاط كثيف يتواصل  مع المنظمات الدولية السياسية والحقوقية والإنسانية  وتوجد منابر إعلامية تنشر أدبيات المعارضة وتغطي أنشطتها  تفوق ما لدى الحكومة من منابر إعلامية مثل مواقع : عونا ، فرجت ، عدوليس ، وزينا زاجل … وإذاعات وقنوات معارضة تبث بلغات مختلفة وكل هذه المواقع الإعلامية لها منصات في الشبكة من صفحات الفيسبوك أو التويتر وغير ذلك تنشر من خلالها أدبياتها الإعلامية المعارضة للنظام ، بعضها لمنظمات سياسية ، وبعضها الآخر  الأكثر  نشاطاً يقوم على مبادرات من أفراد سياسيين نشطين وكلهم يجمع على معارضة النظام الحاكم في أرتريا.

بعض فصائل المعارضين ضمتهم مظلة جامعة سميت بـــــــ :  المجلس الوطني الأرتري للتغيير الديمقراطي.الذي يضم بضعة عشر تنظيمًا كما توجد فصائل أخرى معارضة غير منضمة في المجلس المذكور لكنها تلتقي معه على هدف معارضة النظام من الخارج.

معارضة الداخل:

المراد بها القوى السياسية النشطة التي تعارض النظام وتعمل لمعارضته عسكريًا أو مدنيًا مسالمًا، بعض هؤلاء يقيم خارج الوطن لكنه يتواصل مع النظام ناصحًا ويعترف بشرعية تنظيم الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة  تنظيمًا وبأسياس أفورقي رئيسًا لكنه يقدم النصائح ، وينكر بعض سياسات النظام ، ويطالب بالإصلاحات الكبيرة  ولأنه في الخارج سلم من الاعتقالات وذلك لأن النظام يصنف معارضيه في فئة واحدة ، ويتعامل معها بالإعراض والكيد ؛ ولهذا تلجأ بعض معارضة الداخل إلى العمل السري حرصًا على سلامة استمرار عملها وسلامة أنفسها .

وتعكس أنشطتها أحيانًا عبر بيانات توزع سرًا في فئات منتظمة أو توزع في الأماكن العامة وتتواصل مع الخارج لتعبر عن مواقفها المعارضة للنظام دون أن تظهر علانية في الداخل خوفًا من بطش النظام بها  كما حصل لمواقف كثيرة عارضت جهرة فتعرضت للبطش والتنكيل بينها :.

مظاهرة المعاقين في محابار عام 1994م :

شهدت أرتريا بتاريخ يوليو 1994م  أول حدث مطلبي ضخم بعد الاستقلال

قام به معاقو حرب التحرير وكان الهدف منه المطالبة بتوفير حق دائم يتناسب مع تضحياتهم بأجزاء من أجسامهم خلال سنوات النضال من أجل التحرير .

كانت السلطات قد أقامت معسكرًا بمنطقة محابار التي تقع بين دقي محري ونفاسيت وهو ملتقى طرق ولذلك سمي ” محابار ” وفيه يلتقي واديان موسميان ومن هنا جاء الاسم المركب ” ماي محابار ” أي ملتقى المياه  أو السيول .

العدد يزيد عن تسعة آلاف جندي معاق حسب رواية مصدر شاهد عيان كان جزءًا من الحدث معاقاً ويضم الرجال والنساء والأطفال والشباب وكلهم معاقون وإن اختلفت إعاقاتهم .

قررت السلطات الرسمية تصنيف العدد إلى فئتين : فئة العجز الكلي وهي تستحق استمرار الخدمة الرسمية في حقها والرعاية الدائمة وفئة العجز الجزئي وهذه  يجب تسريحها عن الجيش بعد تسليمها عشرة آلاف بر إثيوبي قبل طباعة العملة الوطنية  التي أطلق عليها اسم مدينة في الساحل الشمالي : نقفة وقد  صدرت عام 1997م.

المطلوب من فئة العجز الجزئي أن  تتجه إلى مناطقها وتدير معيشتها بنفسها وتبحث عن مصادر رزقها بعيدًا عن الدولة .

السواد الأعظم من المعاقين رفض التصنيف ورفض التوزيع ورفض استقبال المبلغ مطالبين بأن حقهم في الرعاية لا يقدر بثمن رسمي ينتهي غدًا وهم يصبحون عالة على أهليهم بعد الخدمة العسكرية التي قضوها في الجيش وفقدوا خلالها أعمارهم وبعض أجزاء من أجسامهم .
وتعبيرًا عن رأيهم الرافض وتواصلاً مع الجهات العليا في الدولة نظم المعاقون  مظاهرة حاشدة تحركت من المعسكر في صباح ربيعي جميل زاحفين نحو أسمرا لمناقشة الموضوع مع الجهات الرفيعة في الدولة كما كانوا ينوون إسماع رأيهم للمنظمات الدولية عبر السفارات والإعلام المحلي والعالمي حسب رواية المصدر.

تصدى الجيش الأرتري للمعاقين المتجهين إلى أسمرا وحاصرهم في منطقة جبلية وامطرهم النار دون رحمة حسب روايات الناجين . انتهى الهجوم المسلح إلى سقوط ضحايا كثيرة وإلى عودة الناجين  مهزومين  إلى معسكرهم الذي تحركوا منه متظاهرين وقد هرب بعضهم إلى الجنوب قاصدًا السفر إلى إثيوبيا واختفى  .

نفذت الحكومة الأرترية  جبراً قرارها بتصنيف المعاقين عبر لجنة أمنية تم تشكيلها لتنفيذ القرار وقد قامت بالتحريات الشديدة مع القائمين بالمظاهرة تحت تهديد السلاح  أدت إلى محاكمة بعض المتصدرين واعتقالهم .. أما السواد الأعظم فقد أرغم على استلام العشرة آلاف نقفة متجهًا إلى أهله مهزومًا أمام جيشه .

والمعاقون المغلوبون حملوا المسولية وزير الداخلية علي سيد عبد الله – توفي في ظرف غامض بتاريخ 28 أغسطس 2005م  وهو يشغل حقيبة وزارة الخارجية –  ووزير الدفاع مسفن حقوص – انشق عن النظام معارضًا يعيش في الخارج لاجئاً- وفي النهاية مضى قرار الحكومة :عشرة آلاف نقفة استلمها المستغنى عنهم راغمين.

وتمت محاكمة المشاركين في المظاهرة  محاكمات قاسية مع أن المعركة فرضت عليهم من طرف واحد وهم عزل لاسلاح معهم ولا قدرة على المقاومة  وقد أضافت المعركة جراحات وإعاقات جديدة على الجراحات والإعاقات القديمة .وطوي الملف. [2] وظل الجرح غائرًا ، والآلام تروى غير قابلة للنسيان  .

مجموعة 13 الإصلاحية – 2000م :

تعرضت تجربة الحكم الانفرادية لانشقاق من بعض مؤسسي التنظيم الثوري والنظام السياسي الذي يحكم البلاد ، عرف المنشقون بمجموعة 13 وهم مجموعة أكاديميين ومهنين يقيمون في دار الهجرة فقد تدارسوا تجربة الحكم في أرتريا بعد الاستقلال وتوصلوا إلى أنها غير سوية مع اعترافهم على أحقية أسياس أفورقي وتنظيم الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في الحكم .وقد لخصوا وجهة نظرهم في رسالة تم توجيهها إلى رئيس الدولة مباشرة عرفت المبادرة بــ ( منفستو برلين  ) حيث تم التدارس هناك في ألمانيا بتاريخ أكتوبر 2000م عنوانها : رسالة الأكاديميين الأرتريين إلى أسياس افورقي  .

طالبت بإجراء إصلاحات عميقة في الدولة وقدمت ملاحظاتها الناقدة جاء مضمون الرسالة على النحو التالي :

فخامة الرئيس أسياس أفورقي رئيس دولة أرتريا  ، أسمرا ، أرتريا .

نحن الموقعين أدناه أكاديميون ومهنيون  أرتريون  مهمومون بالمأزق الذي يواجه بلادنا ، واتفقنا على أن نلتقي لوضع تقييم موضوعي  لمشكلات بلادنا الحالية ولاقتراح الحلول المناسبة لها . مدركين تمامًا لدوركم في قيادة أمتنا نحو الاستقلال وواضعين في الاعتبار استمرار أهمية دوركم كقائد وطني ، قررنا كتابة هذه الرسالة للنظر فيها واتخاذ ما يجب .

لقد وثق فيكم رفاقكم في السلاح خلال مرحلة النضال التحرري كقائد لهم ، وتوليكم لمنصب الرئيس هو نتيجة لهذه الثقة  . تلك الثقة والمسؤوليات التي تنطوي عليها لم تكن أبدًا أكثر أهمية  من هذه اللحظة الحاسمة  في تاريخنا .

ونصت الرسالة على مواطن الخلل في الوطن وطالبت بالإصلاح والمعالجة الجادة لقضايا أثارتها الرسالة مثل :

الأزمة الإنسانية لضحايا الحروب سواء كانوا في دار الهجرة أو في الوطن ، الحرب الخطيرة التي يخوضها النظام ، موضوع المصالحة والوحدة الوطنية ، والقيادة الجماعية ، والمشاركة الشعبية ، أزمة القيادة مشيرة إلى ما سمته :  ( الاختلاف والانقسام الكبير في القيادة ليس أمرًا سريًا ) . وحذرت الرسالة من أسلوب المواجهة ، وقدمت الرسالة ملاحظات عن دور الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة في السياسة والاقتصاد مشيرة إلى  ممارسة احتكار أدت إلى تذمر المواطنين . وعابت الرسالة عدم تطبيق الدستور المجمد. ودعت إلى تفعليه.

وقد وقع في الرسالة ثلاثة عشر عضواً فعرفت  الرسالة باسمهم وهم :

أريا دبساي ، أسفاوا تخستي ، برخت هبتي سلاسي ، داويت مسفن ، هيلي رباس ، كاسهون جيكول ، خالد أحمد بشير ، لولا قبريسوس . مريم محمد عمر ، محمد خير عمر ، موسى مسقنا ، باولوس تسفا قرقيس ، ريسوم هيلي . [3]

وعلى الرغم من وجود شخصيات كبيرة وخبيرة في عضوية المبادرة أمثال د.برخت هبتي سلاسي رئيس مفوضية الدستور التي كونها النظام وجمدها ود.محمد خير عمر الأكاديمي المعروف كان في جامعة أسمرا قبل هجرته عن الوطن معارضًا لسياسات النظام .  لم يتفاعل معها النظام إيجابًا كما أنه عجز فيما يبدو عن ملاحقة أعضائها لأنهم يحتمون بدار الهجرة  وفي تفاصيل الرسالة وتجاهل النظام لها ما يدين النظام الأرتري .

مجموعة الـــ 15 الإصلاحية  عام 2001م  :

قامت مجموعة مؤسسة للنضال الإرتري ولتنظيم الجبهة الشعبية  بقيادة مجمود شريفو بمبادرة طالبت بدولة القانون والحكم الديمقراطي وقد عقدوا منتديات علنية ووزعوا مذكرات مكتوبة توضح المطالب وليس في خطابهم القيام بانقلاب ولا كيد للتنظيم الحاكم وإنما كانت المبادرة دعوة إلى إجراء إصلاحات كبيرة والتأسيس للحكم الرشيد . ولعل المجموعة كانت تتوقع أن يناصرها الجيش بحكم تصدرها في النضال وعمق تجربتها في الميدان  لكنها خذلت فقد تم اعتقال عدد 11 منها وتغييبهم بتاريخ 18 سبتمبر 2001م – دون أن يتحرك لها أنصار من الداخل ، لا من المدنيين ولا من الجيش .

كانت المبادرة السلمية الثانية التي  تهز النظام هزًا عنيفًا لكنها تعرضت لقمع شديد لأنها كانت من الداخل حيث يحكم النظام قبضته  وقد نجا منها فقط أربعة أعضاء، لاذ ثلاثة منهم بالهجرة خارج الوطن وجدد  الرابع  ولاءه للنظام الحاكم- وتم اعتقال البقية بتاريخ  18 – 19 من شهر سبتمبر عام 2000 م ،  وتواصل الاعتقال بتهمة الانتماء إلى المجموعة الـــ 15 حتى زاد المعتقلون عن 80 من سياسيين وعسكريين وكبار الموظفين وذلك خلال شهر سبتمبر نفسه وما تلاه من تواريخ لاحقة حيث قام النظام بملاحقات طالت المشتبه بهم  وانتقمت من الخصوم  المحتملين آخذة بالظن . [4]

التهمة الرئيسية التي وجهت على المجموعة هي الخيانة والانهزام وذلك عندما طالبوا بالتحقيق الشفاف في أسباب هزيمة الجيش الأرتري أمام الجيش الإثيوبي خلال الحرب بين الطرفين ( 1998م – 2000م ) متهمين رأس النظام هو الذي يتخذ القرار في الحرب والسلم .ونصت المذكرة الإصلاحية على مطالب محددة :

  • عدم انفراد الرئيس وحده بالحكم والقرارات المصيرية
  • تفعيل مؤسسات الدولة ودورها كالبرلمان
  • تفعيل دستور عام 1997م
  • تسريح شباب الخدمة الوطنية الإلزامية من الجيش والتقيد بالمدة الزمنية المحددة في قانون الخدمة الوطنية

 –  تفكيك المحكمة الخاصة التي تخضع لسلطة الرئيس وعدم تدخل السلطة التنفيذية في العمل القضائي . وكان العدد بداية 19 عضوًا ثم تقلص إلى 15 بعد انسحاب أربعة منهم:

الأمين شيخ صالح

ناتي إبراهيم

محمد برهان بلاتا

موسى رابعة .

 في موقع عدوليس مقال طويل بعنوان : ضد النسيان بقلم عبد الله خيار ذكر الأسماء المعتقلة من العدد 15 عضواً الموقعين في المذكرة الإصلاحية :

  • محمود محمد أحمد شريفو:

 كان قد شغل مناصب رفيعة بينها رئيس الحكومات المحلية بعد الاستقلال. [5] وقد جمد النظام وظيفة   300 شخص كانوا يشغلون وظائف  في  وزارة الحكومات المحلية بتهمة تعسفية ادعت أنه من  المحتمل أن يكون شريفو قد أثر فيهم  لعملهم تحت إدارته . وهو من مؤسسي الجبهة الشعبية .

  • هيلي ولدي تنسائي ” درع” :

كان قد شغل مناصب رفيعة بعد الاستقلال  بينها وزير الخارجية ووزير المالية .وكان عضواً في اللجنة المركزية التي اختارها  المؤتمر الأول للجبهة الشعبية عام 1977م كما كان عضوًا في المكتب السياسي الذي كان يدير التنظيم ورئيس لقسم التوعية السياسية فيه . كما أعيد انتخابه في مؤتمر عام 1987م في عضوية  اللجنة المركزية واللجنة التنفيذية وتم تعيينه رئيسًا للتوجيه الوطني . تخرج  هيلي درع في جامعة أديس أبابا عام 1972م [6]

–  بطرس سلمون  وقد تلقد مناصب رفيعة بينها وزارتي الدفاع والخارجية بعد الاستقلال  [7].

–  عقبا أبرها

–  حامد حمد ، كان سفير لدى السعودية

–  صالح  إدريس كيكيا:

درس الابتدائي والثانوي في مدينة كرن ، ودرس الهندسة الميكانيكية الزراعية وتخرج بدلوم عام 1971م .

انضم إلى الجبهة الشعبية عام 1975م بعد أن أكمله تدريبه العسكري وأصبح مدرسًا سياسيًا  وقد شغل مناصب بعد التحرير رفيعة بينها  :

مدير مكتب الرئيس ، سفير لدى السودان ، نائب وزير الخارجية ، وزير النقل والمواصلات  .

– براخي قبري سلاسي ، كان سفيرا لدى المانيا

– جرمانو أناتي

– أستير فيساهاظين

– برهاني قبريت اقزابهير ( برهاني قرزقهير – عدوليس )

–  استيفانوس سيوم

والناجون:

– مسفن حقوص – كان خارج البلد في ألمانيا

–  أدحنوم قبري ماريام – كان سفيرًا في نيجيريا

–  هيلي منقريوس –  كان خارج البلد وعمل مندوبا لأرتريا لدى الأمم المتحدة.

–  كيداني ود قشي ( عدوليس ) [8]

انتهت محاولة الـــ 15 إلى الفشل وطوي ملفها إلا ما كان من حديث للمعارضة  في الخارج من تناول الملف إعلاميًا وإنسانياً.

تهمة محاولة اغتيال أسياس افورقي عام 2005م :

في نوفمبر عام 2005م تعرض رأس النظام لمحاولة اغتيال – ولا تأكيد على أنها حقيقية أو افتعلها النظام للانتقام من خصومه – حسب ما نشرت صحف إثيوبية-  اعقبها اعتقالات كبيرة قام بها النظام شملت شخصيات كبيرة في الدولة بينهم:

د.طه محمد نور – توفي في المعتقل بتاريخ  فبراير  2008 م  ودفن بأسمرا مسقط رأسه حيث بها  ولد عام 1934م   – والفنان الشاعر المناضل إدريس محمد علي .تم اعتقاله عام 2005م  وغيرهم كثير كانوا ضحايا لتهمة المشاركة في الحدث .

محاولة انقلاب حركة سعيد علي حجاي عام 2013م:

أكبر تهديد وأظهر عسكرياً تعرض له نظام أسياس افورقي هو محاولة انقلاب قام بها أحد الضباط المسلمين بتاريخ 21 يناير عام 2013م  وهو الشهيد سعيد علي حجاي الذي سيطر بعدد 200 عنصر على مقر الإذاعة والتلفاز لكنه خذل من بعض الرفاق مما أدى إلى فشل المحاولة واستشهاد قائدها  بعدها قام النظام بحملة اعتقالات واسعة غيبت الكثير من اتباع المحاولة وأنصارها الحقيقين أو المحتملين

من بين المعتقلين الكبار كان القائد المناضل إبراهيم إدريس توتيل الذي انشق عن جبهة التحرير الأرترية منضمًا إلى النظام وقد شغل مناصب رفيعة في الوطن بعد الاستقلال بينها وظيفة حاكم لإقليم القاش – سيتيت – بتاريخ 1992م ، وفي عام 1995م تم تعيينه حاكمًا لإقليم شمال البحر الأحمر – مصوع – وقد استقال عن الحكومة عام 2001م ليتفرغ لمهام تتعلق بتطوير اللغة العربية فألف كتبها المنهجية

وأنشأ معاهد خاصة بها . وقد تم اعتقاله بتاريخ فبراير 2013م وذلك عقب المحاولة العسكرية ضد النظام بتاريخ 21 يناير 2013م  التي قادها  سعيد علي حجاي. [9]

تواريخ لأحداث مهمة  :

  • منطقة الشاطئ الغربي للبحر الأحمر كانت محل صراع دائم بين القوى الإقليمية والدولية عبر تاريخه الطويل . وبعد ظهور الإسلام أخذت الدولة الإسلامية  تدير شاطئَيْ البحر الأحمر حماية للمقدسات الإسلامية  وتحقيقًا لأهداف دينية واقتصادية وسياسية وعسكرية .ويتجلى الوجود العسكري الإسلامي منذ عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
  • الوجود البرتغالي: 1520م – 1538 م استغل ضعف المد الإسلامي العربي فتمدد على الساحل الأرتري . لكنه هزم على يد العثمانيين الذين أتوا استجابة لاستنجاد المسلمين بهم من سكان مصوع وضواحيها وحماية لمصالحهم الاستراتيجية .
  • مع مرور الزمن وتطاول العهود ضعف وجود الأتراك في أرتريا الذين حكموا البلاد: ما بين : 1520 – 1890م وفي أواخر عهدهم شغلتهم أوضاعهم الداخلية وشق عليهم إدارة البلاد الممتدة فرغبت في التخفف ولهذا سلمت أرتريا للإدارة المصرية مقابل دفع ضريبة مالية دورية .
  • استمر الوجود المصري في الفترة ما بين : :1565 م  – 1985م حتى  سقط بالتدرج على يد الإيطاليين عقب هزائم لحقت به.
  • استقر الوجود الإيطالي خلال الفترة ما بين : 1890م – 1941م وانتهى أمره بهزيمة على يد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية .
  • خلف الإيطاليين الوجود البريطاني خلال الفترة مابين : 1941م – 1952م فأدار ملف أرتريا بمكر شديد حتى مهد الطريق لصالح  الحكم الإثيوبي
  • الوجود الإثيوبي استلم الملف الأرتري خلال الفترة : 1952م  – ثم الحكم  الفيدرالي واستمر عام 1962م حتى انتهى بقرار رسمي من الأمبراطور هيلي سلاسي ألغى بموجب صيغة الحكم الفيدرالي .
  • مضى الاستعمار الإثيوبي خلال الفترة : 1962م – 1991م  حتى كانت نهاية  على يد الجيش الأرتري.
  • تأسيس حركة التحرير الأرترية: نهاية 1958م – 1970م تم انشؤها لتحقيق الاستقلال الارتري عبر العمل السياسي .

10 – ميلاد جبهة التحرير الأرترية : 1 / 9 / 1961م – اختارت العمل العسكري لتحقيق الاستقلال الارتري ثم أصابها داء الاختلافات فتشعبت فصائلها:

  • – قوات التحرير الشعبية: 1970م مختلفة مع جبهة التحرير الأرترية ثم عقدت مؤتمر تنظيمي بتاريخ مارس 1977م بعد انشقاق الجبهة الشعبية عنها فأسست تنظيمها الجديد قوات التحرير الشعبية – المجلس المركزي . بقيادة عثمان صالح سبي .
  • – الجبهة الشعبية لتحرير أرتريا: المؤتمر الأول يناير 1977م بعد انشقاقها من قوات التحرير الشعبية قادها رمضان محمد نور والأمين المساعد أسياس افورقي وفي المؤتمر التنظيمي الثاني بتاريخ مارس 1987م ألغي منصب الأمين المساعد وأصبح أسياس أفورقي الأمين العام للتنظيم صاحب الكلمة النافذة . [10]

13- المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي : نوفمبر2011م بمدينة هواسا الإثيوبية وقد حضر المؤتمر التأسيسي أكثر من 600 مشارك من مختلف شرائح المجتمع الارتري [11]

 وهو يعد المظلة الجامعة للمعارضة الأرترية يضم أكثر من عشرة تنظيمات  .

14-  الحكومة الأرترية بعد الاستقلال : 1993م – وهي تمثل فصيلًا ارتريًا واحداً تحول من العمل العسكري تحت اسم : الجبهة الشعبية لتحرير أرتريا إلى عمل سياسي تحت : الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة .وذلك في مؤتمرها الثالث الذي عقد في منتصف فبراير 1994م  [12]