قبيلة مسحليت في أرتريا :

     كانت “مسحليت ” يقيناً– وإن لم نجد النص على بداية التاريخ  المعين- قبل أن تولد” أرتريا ” التي أعلن – في الأول من يناير عام 1890م –  تسمية مستعمرة أرتريا الملك الإيطالي ” بعد توحيد الأقاليم المختلفة [1] .والتمكين للسلطة الإيطالية بعد هزيمة منافسيها ،  أما بدايات  وصول بعض مكونات مسحليت  في الأرض فكانت  مع استقرار الطلائع الأولى  في هذه المنطقة بعد هجرتها من الجزيرة العربية رغبة في الاستقرار  وهرباً من الملاحقات السياسية ودون تحديد قبائل موصوفة بأنها سبقت غيرها في مسحليت الأرض لصعوبة بحثية تواجه البدايات بسبب عدم التوثيق والاعتماد على  الرواية الشفهية التي تكثر من الدعوى أن آل فلان جاءوا من الجزيرة عبر البحر دون التنصيص على تاريخ الوصول  .ومع ذلك يمكن ملاحظة أن أسماء بعض مكونات المسحليت ظهرت مع الممالك والإمارات الإسلامية  التي كانت تحكم البلاد ( الفترة ما قبل العهد التركي )-[2] – ومثل  قبيلة ألمدا  التي وصلت المنطقة  مهاجرة عبر البحر الأحمر عام 330هـ  حسب ما يذكر من تاريخ الجد المهاجر[3] ، ومحمد حالفا – من قبيلة سبحانو – يروي عن أهله أن جده عبد القادر الملقب بــ ” سبحانو” هاجر هربًا من حاكم جائر اسمه ” حجيجاي “[4] وقبيلة سبحانو  جاءت معها قبائل عربية تشاركها في بعض أجزاء من سلسلة النسب مثل عد معلم وعد باطعاي ودوبعات وعقر فهم بين حسنيين وحسينيين حسب أنسابهم المحفوظة لديهم ويتوارثونها شفاهة أو ربما لبعضهم سلسلة نسب مروية موثقة متداولة بينهم . وبمراجعة التاريخ نجد أن ” حجيجاي ” الاسم يروي بعضهم أنهم هاجروا هرباً منه يبدو هو الحجاج بن يوسف الذي كان ذا سطوة عسكرية في الفترة ما بين : 41 – 95 هـ الموافق 661 – 714م [5] والذي قاد الحملات العسكرية  لحماية الخلافة الأموية  من معارضيها فأدى ذلك إلى هجرة المعارضين وهذا الاحتمال غير منفي وإن كان يحتاج إلى بحث ليكون يقينياً – ومعظم التاريخ ظني لا يقيني  ينقصه السند المتصل- والأتراك عندما جاءوا في مصوع وجدوا بعض قبائل مسحليت مثل ” بلو”  مستقرة ممكنة قبلهم في المكان وفي الزمان غير زمانهم،  والمفوض  الإيطالي  تضمن تقريره عن قرية أمبيرمي – وهي من قرى مسحليت – أنها عمرت بمساهمة ومشاركة من سكان سمهر وعدد قبائل مستقرة فيها بينها عد حدوق وبلو وعد شيخ عبدالقادر بن محمد بن علي  ونص على أن مصطلح ” مسحليت ” كان حاضراً قبل إيطاليا ضمن المكونات القبلية لقرية أميرمي    [6] يظهر ذلك فيما كانوا يرفعونه من تقارير عن سكان المنطقة إلى إداراتهم العليا في إيطاليا . ولهذا يمكن التأكيد أن مصطلح ” مسحليت ” اسم للقبيلة في المنطقة قديم تمثله بعض فروعه من الأسر التي استقرت في المنطقة ومع مرور الزمن احتاجت إلى إنشاء كيان جامع يضمها لتحقيق مصالح ودرء مضار الاعتداءات الخارجية ومن هنا ولد كيان مسحليت في مرحلة تالية بعد تكاثر فروعه وأن إنشاءه كان قبل الاستعمار الحديث لأرتريا وصمد خلال عهود الاستعمار المتعاقب وحتى الآن . وذكر الكاتب الأرتري محمد عثمان أبو بكر أن قبيلة مسحليت كانت منتظمة في كيانها في العهد التركي الذي بدا بهزيمة البرتغاليين على يدهم : 1555 – 1860م [7] وعرفت تناوب الزعماء بين فروعها . وقد ظهر اسم بعض مكونات مسحليت الفرعية تحت حكم دقدقي [8] كما ظهر بعض مكونات مسحليت بقوة عند عهد الحاكم أحمد الضبع- تنتسب إليه قبيلة دوبعات التي كانت تعاصر دقدقي وعلى خلاف معها وحرب [9].. وهذه أحداث كانت حاضرة في حقبة تاريخية قديمة وهي حقيقية وإن أحاط غموض بالتنصيص على تاريخها  –  الذي كان يلقب : ( تقزي بقزي  أو تقسي بقسي .”  وقد قتل على يد أبناء أخته و ظهرت معارك بين طرف  وبين خصومه من بعض مكونات مسحليت  حسمت صلحاً أدى  إلى اختفاء مكون وعلو مكون تروي هذا الحسم روايات شفهية وقد دونت لاحقًا وهذه الأحداث جاهلية في مقاصدها ومبرراتها وتحتاج إلى سند للتأكد من صحتها ثم إن معرفتها لا تخدم البحوث الإصلاحية للمجتمع المتحضر ولذلك نفضل الإعراض عن سرد تفاصيلها .

     ومن المؤكد أن من مبررات  الهجرة أسباب سياسية أو اقتصادية  وأن شبه الجزيرة العربية لم تكن جاذبة اقتصادًا في تاريخها ، كما أنها كانت تشهد صراعات دموية في مختلف عصورها فليس غريبًا أن يهاجر الناس منها إلى ملاذ آمن وجذاب وهو خيار غرب البحر الأحمر إذ كان أرضًا بكرة تصلح للاستقرار وتنمية المواشي فكانت هذه المهنة المفضلة لدى المهاجرين الأوائل وقد تحدث الكتاب موضحين أسباب الهجرة عن الجزيرة العربية مؤكدين أن (طبيعة جنوب شبه الجزيرة العربية في الأساس طاردة  بخلاف الحبشة وشرق أفريقيا ذات الطبيعة الجاذبة لتوفر الماء والمرعى  فيها مما جعل اتجاه الهجرة نحو الساحل الغربي للبحر الأحمر باستمرار) [10].

      الأمر الذي يؤكد أن بعض مكونات مسحليت وصل مصوع وضواحيها في فترات الصراع السياسي  بين أطراف الدول الإسلامية في شبه الجزيرة العربية عندما كانت الأزمات السياسية والحروب بين العباسيين والأمويين  وكانت هذه المكونات جزءًا من التكوين الاجتماعي والسياسي في تلك الفترة وفي تلك الأمكنة التي كانت فيها نظارات وصراعات وامتدادات .وقد جاء الأتراك الذين ورثوا الخلافة الإسلامية فوجدوا كثيرًا من مكونات مسحليت في أرضهم الحالية فتعاملوا معهم وفق أعراف القبائل وكذلك مضى العهد المصري والإيطالي والإنجليزي والإثيوبي كان الزعيم لمسحليت يختار من بينها ويدير شؤون قومه ويتواصل مع سلطان الوقت وفق ما يتطلبه الواجب الرسمي الغالب .. ثم تواصلت وتكاثرت مسحليت بالتحالف والتناسل والتزاوج والتصاهر المتبادل بين المكونات وصار لها اسم معروف يجمعها بعيدًا عن مسميات الأسر الحاكمة أو المتصارعة ولهذا يمكن تعريف : ” مسحليت ” بأنه حلف جمعي كبير يقيم في عدد من قرى  إقليم سمهر في أرتريا يضم فروعًا لقبائل شتى تواثقت أن تتوحد في كيان جامع يمثلها زعيم يلقب بــ ” شوم ”  تختاره بشوراها تتجاوز به كيان القبيلة الصغير إلى كيان المنطقة، والسلطة فيه متداولة بالانتخاب أوالترشيح والتوافق والتزكية وهو ولد في وقت مبكر قبل الاستعمار الحديث وقد سبق عهود الاستعمار الإيطالي والانجليزي والإثيوبي . وهو حلف مفتوح لكل سكان المنطقة قابل لتحديث مستمر حسب رغبة المواطن للانضمام إليه  ويحكمه قانون عرفي مجمع عليه يتوافق مع الشريعة الإسلامية مثل  أحكام الزواج والطلاق والميراث ورعاية المصالح الشرعية والدنيوية لأعضاء الحلف …هكذا تعارف الناس على تعريف مسحليت وهو تعريف يصدقه الواقع حيث تتكون مسحليت من عدة فروع قبلية أصحبت جسمًا واحدًا يحكمه عرف خاص ومصالح مشتركة ودين وخلق تصاهر.

     وهذه صورة متقدمة لحكم متحضر تعارف عليه السكان منذ القدم فالأرض والوطن تجمعهم لأن اسم مسحليت هو اسم أرض وليس اسمًا لقبيلة  وأخذت  قبائل مسحليت تنشئ روابط اجتماعية مع أناس آخرين في مناطق أخرى خارج أرض مسحليت لأغراض معيشية واقتصادية وموسمية وتحقيق مصالح مشتركة  ولهذا تجددت لهم صلات قوية مع قبائل منسع وصارت لهم أراضي يملكونها بالتوافق مع السكان المحليين بدأت بإنشاء شراكات بين الطرفين وانتهت بالتمليك التوافقي بين الطرفين  والترخيص السلطاني بحكم إحياء الأرض البور وفي الشرع الأرض لمن أصلحها .

      وبناء على ذلك تجد قبائل مسحليت يتوغلون الي الجبال المطلة علي الساحل في رحلة تسمي (سبك – ساقم ) وهي رحلة في الصيف والشتاء فعندما يحل الصيف ينتقلون إلى المرتفعات –يسمون هذه االرحلة بــ ( سقم – segem) والعودة منها إلى الساحل تسمى : (سبك –  sebek  ) خوفًا من حر الشمس فإذا سألوهم عن اسم قبيلتهم قالوا: اسمنا سواحلينا أي نحن من سكان سواحل وشواطئ البحر الأحمر ومع مرور الزمن تحولت إلى مسحليت اختصارًا لسواحلينا.

      وهي اسم أرض وليس اسم قبيلة بخلاف بعض القبائل المجاورة لهم فقد سميت مناطقهم بأسماء أجدادهم مثل المنسع وهو جدهم الأول المعروف بماشو وعد تماريام وهو جدهم الأول وفي وسطهم تسكن قبائل أخرى من غيرهم وتنتمي إليهم رغبة  لتحقيق مصالح . أما مجتمع السمهر عامة ومسحليت خاصة  فهو ينتمي إلى المنطقة وله من القبائل المتنوعة الكثير وربما يمثل صورة مصغرة لمعظم قبائل أرتريا المسلمة ومع ذلك اختار أن يسمى بالوطن الصغير: مسحليت؛  الذي يقيم فيه ويعيش وترتبط به مصالحه وتاريخه وحاضره ومستقبله وهي كيان مفتوح يستقبل كل من جاء إليه راضيٍا بنظامه الاجتماعي وأعرافه النبيلة وإدارته الأهلية ولهذا جاء إلى مسحليت وانضم في ظلها كثيرون أتوا من قبائل أخرى نقموا عليها أشياء وأصبحوا جزئًا من مسحليت فرحبت بهم وآوتهم وصاهرتهم وامتلكوا في وسطها مزارع ووسائل معيشة كريمة إلى جانب تحقيق الأمن لهم وحمايتهم بناء على أنهم يرون وجوب  حماية المستجير بهم من بطش الأعداء  .

[1]  تاريخ أرتريا ، عثمان صالح سبي ص 167

[2]  الحركة الإسلامية الإرترية – 1973م – 2012 م د.إدريس أبو بكر إبراهيم، مركز دراسات القرن الافريقي ، ط1 ، 2017م  ص 64

[3]–  نص منشور يتحدث عن نسب قبيلة الألمدا . صفحة بالفيسبوك : منتديات التواصل والتعارف والتآلف ، منشور بتاريخ  ديسمبر 2012م  وعنوان المادة : (نسب قبيلة الألمدا ) وينتهي إلى الحسن بن علي كرم الله وجهه .

[4]–  أ.سعيد محمد حالفا روى ذلك عن والده  في سبب هجرة سبحانو عن الجزيرة

[5]–  الحجاج بن يوسف الثقفي ، موقع إسلام اونلاين .

[6]–  تقرير المفوض الإيطالي بتاريخ أغسطس 1898م (Teobaldo Folchi والملاحظات الإدارية التاريخيةعلى مفوضية مصوع (1898) تم تحريره وتقديمه بواسطة MASSIMO ZACCARIA النص منشور في النت باللغة الإيطالية – ترجمة الاستاذ الإعلامي الإرتري عامر آدم – المقيم في إيطاليا .

[7]–  محمد عثمان أبو بكر . تاريخ ارتريا المعاصر ارضًا وشعبًا ، ط1 ، القاهرة ، عام 1994م  ص 347

[8]–  تاريخ الحباب والحماسين … ص 127

[9]–  المرجع السابق ص 127

[10]–  العلاقات  الإرترية العربية – قراءة تاريخية ورؤية مستقبلية ، د.عمر زرآي ، شبكة القرن الأفريقي للإعلام والتنمية ، ط 1 ، 2016م  ص 36 وانظر : دراسات القرن الأفريقي – مجلة دورية العدد الثامن ، يوليو 2017م .العلاقات الأرترية التركية عبر التاريخ . بحث كتبه أ. عبد الله إسماعيل آدم ص141 – 144

مبررات تكوين قبيلة مسحليت :

بالنظر إلى تكوين مجتمع مسحليت ونشأته تظهر أهم المبررات التي كانت سببًا لميلاده :

  • معظم القبائل التي تكون منها مجتمع مسحليت قبائل حضرية هاجرت من الضفة الشرقية للبحر الأحمر أي الجزيرة العربية وهي كانت تدار بالدولة الإسلامية عبر قرونها الممتدة منذ نشأتها  ولهذا كان مفهومًا أن يكون مسحليت كياناً اجتماعياً اقتصادياً تربطه ببعضه العقيدة والمصالح المشتركة ضمن قانون متعارف عليه مستنبط من الشريعة الإسلامية يحمي سلوك الأطراف ليبقى الكيان محافظًا مصاناً متماسكاً.
  • كانت هناك غزوات واعتداءات من جهات كثيرة في المنطقة تأتي من بعض القبائل المجاورة أو من المرتفعات المسيحية أو تنطلق من بعضها تستهدف أموال القبائل المشتتة الضعيفة الأمر الذي أوجب على قبائل مسحليت ذات الأصول المختلفة أن تتوحد في كيان جامع حتى تتقوى لمواجهة المخاطر التي تأتيها من خارجها معتدية أو من داخلها متحكمة مستبدة  وكل ذلك كان حاضراً في بعض حقب التاريخ لعدم وجود حكومة مركزية تنظم أحوال المجتمع قبل العهد الإيطالي وعلى سبيل المثال كانت هناك تهديدات مباشرة من غزاة أشداء يأتون من مرتفعات جمجان يستهدفون مدينة “شعب” للقتل والنهب فتجمع لهم الرجال من كل مناطق مسحليت وحتى من مصوع للدفاع عن مسحليت : الأرض الإنسان والكيان [1] وكانت بعض الاعتداءات والنهب المسلح قد طال حتى وقيرو وكان السلب والنهب المتبادل بين سكان سمهر وبين قبائل ومجموعات معتدية تاتي من أكثر من جهة بقصد الاعتداء على قرى مسحليت.
  • الأصل أن مكونات مسحليت لها أصول وفروع قبلية في مواقع أخرى من الوطن لكنها تباعدت الجغرافية بهذه المكونات عن أصولها واقتضت المصلحة إنشاء كيان جامع يقوم مقام القبيلة لكن بصورة حضارية تقدم الأرض والمصالح والدين على العرق والتعصب والتباهي بالنسب والحسب.
  • الرغبة في إنشاء وطن آمن مسالم يسع الجميع ويتحاكم إلى القانون وإلى إدارة حكيمة راشدة ترعى أمر الجميع .
  • إدارك أهمية الانتماء الوطني وتكثير سواد المواطنين وتجميعهم في كيان واحد وذلك لتحقيق مقاصد اقتصادية وأمنية واجتماعية وذلك لأن مسحليت خرج عن مفهوم القبيلة الضيقة إلى مفهوم الانتماء إلى الأرض وتنميتها وحمايتها بجهود وتكاتف قاطنيها وهذا المفهوم يخالف المفهوم القبلي الذي يرتبط الناس فيه على النسب والحسب و على منطق القوة والقهر دون أي اعتبار لعنصر المواطنة.
  • لا خوف على الولاء القبلي بين مكونات مسحليت لكل فرع من فروع الكيان الجمعي لأن النظام فتح الباب واسعاً لتوالي الفروع المكونة لمسحليت مع أصولها  لتحقيق فريضة التعاون وصلة الأرحام والمشاركة في الدية والميراث  فتجمع مسحليت صورة مصغرة لدولة تضم كل المواطنين ولا تلغى الروابط الاجتماعية الأخرى بين أفراد القبيلة الواحدة . وبهذا يعلم أن “مسحليت ” كيان ليس موجهاً ضد القبيلة وليس حاجرًا على طرف أن يتواصل مع أطراف أخرى وإنما المهم الإيفاء بالتزامات المواطنة في أرض مسحليت وفق الأعراف التي تحكم هذه المواطنة.
  • الرغبة في إيجاد مجتمع متحضر قوي بعيدًا عما كان عليه أهل زمانهم من تكتلات النهب المسلح أو كيانات الاستعباد التي قسمت المجتمع إلى طبقة حاكمة جائرة تدعى ” شماقلي ” – طبقة النبلاء الحاكمين – وطبقة أخرى عبيد مسخرة لخدمة الطبقة الحاكمة رغم أنفها وتسمى ” تقري ” – وهي طبقة المحكومين – فكانت مبادرة مسحليت في إيجاد المجتمع المدني المتحضر يعيش الناس فيه سواسي لتحقيق مصالحهم كانت هذه الفكرة منقذة لأناس كثيرين أتوا إليه من جحيم أهل الاستعباد أو النهب المسلح وقد كان لمسحليت قدرة على حماية أنفسها وحماية من انتمى إليها وحماية تجارتها واقتصادها ومصالحها وأرضها وكانت تمتلك السلاح الناري – وكان امتلاكه  نادرًا في ذلك الزمان  – تردع به المتفلتين  المخلين بالأمن المجتمعي وكانت متحضرة حتى في اكتساب حقوق الأرض لأنها اعتمدت على الإحياء والترخيص الرسمي أو التوافق مع ملاك آخرين بإنشاء شراكات معافاة مبنية على التراضي بين الأطراف وليس فيها ظالم ومظلوم وجابر ومجبور . وكانت مسحليت قوية مهابة يخشىاها الأعداء  كما كانت تلجأ إلى القانون والسلطة عند الاختلاف بين مكوناتها لرد المظالم إلى أهلها.

نباري مسحليت:

   مما يناسب ذكره من أعراف وتقاليد مسحليت ما يطلق عليه ” نباري على وزن سَفَارِ وحَذَارِ. والياء فيه تولد من إشباع  الكسرة عند النطق بها  ” –  وهي كلمة عربية فصيحة ومادتها: نَبَرَ نَبْرًا فهو نابر و اسم المفعول من المادة : مَنْبُور.  ونَبَرَ الشيءَ رفعَه ونَبَرَ الولدُ تَرَعْرَعَ  – وهو مما لا يتنافى مع الشريعة  التي تحكم سلوكهم وعقيدتهم والمراد به اصطلاحاً هو  الأعراف والتقاليد المشاعة لديهم يرثها اللاحق من السابق وتحظى باحترام عندهم  ويرفع من شأنها. ومن المحظور  مخالفتها وقد تتجلى تلك ” النباري ” في عدد من المشاهد الاجتماعية نذكر منها ما يلي :

أولًا – عرف مسحليت  في الأعراس :

ويأتي الحديث وفق النقاط التالية :

– إنشاء البيت الجديد:

    المراد بالعرس – وجمعه أعراس –  شرعًا  الإجراءات المتخذة شرعًا وعرفًا حتى تصبح الفتاة أو المرأة زوجًا حلالًا للرجل يباح الاستمتاع بها شرعًا وعرفًا  يجد فيها الرجل مثل الذي تجد هي فيه من السكن والود والولد والمتعة الحلال وهم يمنعون كل ترابط بين الرجال والنساء لقضاء الشهوة دون الزواج الحلال الذي يتم بأركانه الشرعية من رضى الطرفين وموافقة أولياء الأمور ومهر يقدمه الزوج للزوجة  وشهود يحضرون المناسبة وأن يتم الزواج بواسطة مأذون شرعي من الرجال مخول بهذا  الواجب عرفًا وقضاءً . وهو مؤهل لأداء تلك المهمة ، بها بصير،  من حيث معرفة  الفقه ومعرفة المجتمع ومرخص له من الجهات الرسمية وعنده تكتمل المرحلة من عمر الشباب الفاصلة بين الاتكال على الأسرة والاستقلال بإضافة بيت اجتماعي جديد يستقل بواجباته وحقوقه استقلالاً ماليًا وإداريًا  بالتراضي  بين الأسرة الكبيرة والأسرة الجديدة دون أن يؤدي هذا الاستقلال إلى تدابر وتقاطع بين الطرفين لأن التعاون  قائم بينهما بعد الزواج  كما كان قائمًا قبل الزواج  والتواصل مستمر في المعروف تفرضه المفاهيم الدينية من صلة الرحم والتعاون في المعروف كما تفرضه حاجة كل طرف إلى الطرف الآخر في تجاوز مصاعب الحياة التي تجعل من طرف محتاجًا إلى الطرف الآخر في ظرف من الظروف وهي حالة تتكرر مرة يتعرض لها  البيت الكبير ومرة البيت الجديد والأسرة المتفرعة وبالتعاون الدائم تعبر الأسر الصعوبات في المسيرة.

– إجراءات الزواج – اختيار الزوجة :

في غالب الأحوال أن الأسرة تبحث عن زوج المستقبل لأبنائها وتفضل القريبة على البعيدة وتقدم ذات الخلق والدين والنسب على الغريبة والجميلة وذات  المال وقد تحدث حالات زواج من فروع مسحليت المختلفة وإن اختلفت الأصول لأن  الاحتفاء بالمنطقة مهم ولذلك – فيما يبدو –  يعمدون إليه لإدامة التواصل وتيسيره بين الطرفين المتصاهرين  ومع ذلك فقد تجوز بعضهم في الابتعاد عن المحيط حيث تزوج من قبائل أخرى لكنه ابتعاد غير منكور لوجود تواصل على خفيف فالذي يصاهر من قبيلة مسحليت  قبيلة منسع مثلاً أو من بلين أو من قبائل الساحل الشمالي أو غيرهم فإن هذه القبائل ليست بعيدة كل البعد جغرافية لأنها تأتي إلى سمهر في مواسم ومسحليت تذهب إليها في جغرافيتها في مواسم أخرى  وتوجد زيجات ناجحة جدًا كانت من البعيد قبيلة وجغرافية ومما يعزز ذلك وجود صلات نسب وانتماء اجتماعي بين فروع مسحليت وبين تلك القبائل وفوق ذلك فإن الزواج قسمة  لكن هذه القسمة في الغالب لا تبعد بالرجال أن يبحثوا عن زوجات في الأقاليم البعيدة مثل إقليم جنوب البحر الأحمر أو الجنوبي أو البركة والقاش حتى لو اشتركت بعض مكونات مسحليت مع بعض مكونات قبلية لتلك الأقاليم فإن القريب جغرافية أو من مكونات مسحليت يفضلونه على غيره حسب عرفهم وذلك لرغبتهم في التواصل الدائم مع الأسر المتفرعة

موافقة الطرفين :

علما أن الاختيار الذي يتم عبر الوالدين أو الأسرة لا يغفل حق الزوجين في الموافقة المبررة أو الرفض المؤدب المبرر وفي النهاية يتفق الطرفان على  الاختيار الحسن المعزز بالمبررات الحسنة وقد يكون مما يقنع الأطراف بالزواج مع نقص المؤهلات  أن أحد الزوجين قادر أن يتحمل الآخر الذي لا يرغب إليه الآخرون وذلك لوجود علة فيه من فقر أو مرض أو دمامة أو قلة عقل أو نفور أخلاق فمن أجل إيجاد حل اجتماعي حلال تتفق الأسرة أن يتزوج فلانٌ فلانةً ويحظى اتفاق الأهل بالموافقة لظهور الحكمة فيه وبهذا كانت قبيلة مسحليت معصومة من فشو الفاحشة بين شبابها كما كانت معصومة  من انفلات الأخلاق أو بوار البنات أو الأولاد وذلك لأن الزواج كان يتم وفق التصورات والتقديرات  الاجتماعية الأسرية التي تحكمها أعراف وعادات ومقاصد نبيلة التي تسعى لدعم المصالح ودفع المضار وتنظر في ذلك إلى  المستقبل وإلى  الحاضر إلى مصلحة الأفراد ومصلحة الكيان  .

– من فوائد هذه الإجراءات :

تظهر فوائد عديدة من الزواج المبكر نذكر منها ما يلي :

  • العصمة المبكرة من الوقوع في الحرام فمجتمع مسحليت لا يعرف التجارب الجنسية المراهقة والطائشة قبل الزواج فالشباب يجد نفسه مصانًا عن الحرام منذ إدراكه سن البلوغ أو تجاوز السن القانونية فوق الثامنة عشرة سنة من عمره كما أن هذا الشاب قوي البنية جسمياً لأنه مغذي فقد كان المال وفيراً  والبهائم وفيرة حيث تنتج اللبن والسمن واللحم والمزارع تدعم هذا الغنى  الحلال والأرض خصبة تزرع وتنتج مواسم ثلاثة خلال العام الواحد  .
  • الإنجاب المبكر حيث يكبر الأولاد سريعًا فيشاركون آباءهم في أداء الواجب العام فهم يدركون أباهم  في قوته البدنية والعقلية يقوم بأدواره في الحياة  يحرث ويحلب ويرعى ويتاجر متحركًا بكامل وعيه وقدرته العقلية والجسمية فيقومون بأدوارهم معه تحت إدارته .
  • يرث الأولاد الخلافة من  آبائهم رويدًا رويدًا وذلك عندما تقل التزمات الوالدين فيتولى  الأولاد واجبَ الخلافة ويصبح الكبير مخدومًا معززًا مكرمًا محترمًا يتفرغ للعبادة وللقيام بالمهام الاجتماعية  من المشاركة في المناسبات العامة وهو في كامل زينته يمثل أسرته كما له الصدارة في معالجة مشكلات المجتمع وفي توريث الأعراف والتقاليد إلى الأجيال اللاحقة حتى يتدخل في اختيار أسماء الأحفاء والأسباط ويشير ناصحاً دون تسلط وفي الغالب تقبل إشارته ونصحه لأنها ترد من محب محافظ وخبير بالمحاسن والمقابح والقيم النبيلة وبناء على هذه الخبرة يرشد الرعية
  • ومع مرور الزمن يدخل الوالدان مرحلة الشيخوخة غير القادرة على أداء المهام العقلية والجسمية فيتحمل الأولاد رعاية الوالدين ويستمر البر بهما حيث يتجلى في الاحترام الزائد من كل أفراد الأسرة حتى الأسباط يجدون في جدهم الكبير العاجز ظلاً ظليلاً يتحلقون حوله ويتبادلون الأدوار ويتسابقون في خدمته سواء كان مدركًا لهذه الخدمة أو غير مدرك لها لضعف عقله فهم يرون أن هذا واجبهم دينيًا واجتماعيًا وأن الوالدين هم باب الجنة فمن حقهم الرعاية في سنة الحاجة ولهذا لا تعرف مسحليت دور العجزة التي ترعاها الجمعيات الإنسانية أو الجهات الرسمية لاستقبال العاجزين شيخوخة  لأن رعاية الكبير من مسؤولية الأولاد ومن لم يكن له أولاد يتحول واجب رعايته إلى الأقرب فالأقرب من أهله نسبًا  وصهرًا والقبيلة تؤوي من لا مُؤْوِيَ  له .
  • البر ما بعد الموت حيث يظل بر الوالدين يتواصل من قبل  الأولاد والأحفاد والأسباط في المرحلة ما بعد الموت من زيارة قبره بين فترة وأخرى والدعاء له والتصدق باسمه وصلة  الرحم  التي كانت توصل عبره والحفاظ عليها ولهذا تحافظ الأسرة على معرفة الأنساب والأصهار  وأن يقوم الكبير بتوريث تلك القيم للجيل اللاحق  .

– طلب العروس

في مسحليت يبدأ طلب الفتاة من أجل الزواج منها عبر وسائط وبأسلوب محبب فيه احترام وتقدير وله صيغة معلومة ليس من بينها  أن يقوم  الفتى الراغب في  الزواج   بالذهاب إلى أهل الفتاة ويقول لأبيها :  أريد بنتك  فلانة يا فلان . ! فإن هذا يعد  أسلوباً فجاً في الطلب ولهذا قد يتجاهل والد الفتاة الطلب وقد يغضب ويهجر وقد يتفهم الحالة إن كان الفتى من مربي بلد آخر وعرف آخر ولهذا يعالج الوالد الخطأ العرفي بلطف وحكمة فيطلب من الفتى الطالب أن يأتي بأهله وأقرب الناس إليه .

والعادة عندما تتفق الأسرة على الفتاة بعد تقييم أهلها من حيث النسب والدين والصحة – ينظر إلى هذا الاعتبار تحوطًا من أن تكون لدى الأسرة مرض وراثي مزعج أو قاتل –  والأخلاق و بعد التأكد من توفر الشروط المناسبة تتقدم أسرة الفتى إلى أسرة الفتاة بهدايا مناسبة ووسائط شافعين وكلهم يقول : آل فلان يريدون مشاركتكم في  قدركم العالي ونسبكم الكريم الأصيل يريدون يد بنتكم فلانة  لابنهم فلان بن فلان.  ويذكرون في مثل هذه الجلسة ما بين الطرفين من رحم أو تصاهر قديم  أو صادقات عامرة بالوفاء والحب والتواصل.

تستقبل أسرة الفتاة هذا الخبر بارتياح واحترام تقول  لضيوفها : مثلكم لا يرد فأنتم في نسب كريم ، وفضل واضح  وخلق ودين  ، أنتم معروفون ولستم نكرات . ومع ذلك نطلب مهلة لإكمال المشاورات مع بقية أفراد الأسرة من أعمام وإخوان وأخوال وربما يضربون للرد  على الطلب أجلًاً و قد تكون النتيجة سلبية إذا الفتاة كانت محجوزة راضية عند قريب لها أما عندما تكون النتيجة إيجابية فأهل الفتاة يظهرون الموافقة على الخطبة .

– الخِطْبَة:

الخطبة اسم لإبداء الموافقة على الزواج تستلم فيه أسرة الفتاة هدايا محددة مقننة عند قبيلة مسحليت وفي محضر من الناس يبارك فيها الجميع الخطبة ويدعون الله أن يكتمل الزواج بين الطرفين على خير وحسب الإمكانيات والظروف يتم تحديد موعد الزواج وتنصرف الجلسة بسرور كبير لإنجاز المهمة العظيمة لصالح الأسرتين .

– تهيئة البيت واكتمال الاستعدادات:

غالباً يكون الزواج في المواسم الغنية مثل موسم الحصاد أو حينما تكون البهائم ذات لبن غزير الأمر الذي يسهل أمر الزواج فالمناسبة عندهم ميسورة جدًا وذلك لأن المتطلبات المادية لا تتجاوز بناء بيت للعروسين من جنس ما يبنى به في القرية من مواد طين أو حطب وأعواد يسمونها ” رِقَيْ –   REGAI  وتعرش المواد الميسورة  بالبرش – الحصير من الزعف – الذي يسمونه ” تكوب ” وهو يصنع من أوراق النخيل الصحراوي  أو أوراق شجر الدوم الشبيه بالنخيل وقد تختلف مواد البناء  بين قرية وقرية حسب ما يتوفر لديها من مواد خام  فبعض المناطق تبني ” مَعَادِن ” – جمع مَعْدَنِي –  وهو اسم لبيت يبنى من مواد من منتجات الغابة  والمزراع ربما يخلط بالطين للتثبيت والتمتين والتزيين في بعض المناطق  فهو مواد  شبه ثابتة والآن تطورت البيوت إلى التشييد من مواد بناء ثابتة في بعض المواقع  مما أدى إلى اختفاء تدريجي لأشكال البيوت القديمة .

وفي الأثاثات تعتمد الأعراف عدم الإسراف لأنه منهي عنه شرعا ً ويسوق إلى العزوف عن الزواج الشرعي هربًا من الكلفة الباهظة ولهذا تعتمد مسحليت التيسير في الزواج فهي تحدد المهور وتلزم بها الجميع وتدعو إلى تيسير تكاليف الزواج وتنهى عن الإسراف حتى تعزز من الاتجاه إلى الزواج الشرعي .

ويلزم الزوج وأسرته إكمال المهر المحدد عرفًا وكان قديمًا خليطًا من الذهب و الفضة لها مقدار محدد وزنًا وعينًا واسمًا إلى جانب التزامات مالية أخرى لها تفاصيل محددة لدى مسحليت . وينظر جيدًا قبل الذهاب إلى يوم العرس هل هذه المتطلبات مكتملة أو ينقصها شيء ولا بأس عند مسحليت أن يدفع أهل الزوج ما تيسر ويتأجل ما لم يتيسر حتى يسدد لاحقاً ويعلن ذلك عند العقد أمام الشهود حرصًا على الإيفاء  بحق الزوجة .

– اليوم البهيج :

يوم الزواج يوم مهيج في مسحليت مثل كل القبائل الأرترية تحشد فيها الأسرتان حشدًا كبيرًا لحضور المناسبة السعيدة فأهل الفتى العروس –  كصبور وهذا استخدام لغوي مناسب للفتى الزوج –  يأتون إلى أهل الفتاة ” العريس ” – كطريح وهذا استخدام لغوي مناسب للأنثى الزوجة –  من أجل إتمام الزواج وتتجلى عدد من المشاهد في اليوم :

  • حشد من شباب ورجال من قبيلة أو أقرباء العروس . يتجهون من البيت وهي مركز الا حتفال إلى بيت العريس الزوجة .
  • فريق من الجمالة الذين يركبون الجمال الضامرة يتسابقون بها ويظهرون الفروسية أمام مقر أهل الفتاة العريس وتستجيب النساء وتتفاعل بالزغاريد والأصوات المَرِحَة المثيرة للإعجاب المهيجة للمتسابقين والمحرضة على المزيد من الإبداع ويمدحن السابق على اللاحق وقد دخلت السيارات الفارهة الآن في التحشيد البهي والغرض هو الغرض القديم : تشريف المناسبة وإظهار الحظ الوافر من الاحتفاء والسرور.
  • يعود الجمالة المتسابقون إلى الحشد الماشي حتى تنتظم عملية  الوصول إلى أهل الفتاة يأتون في موكب مهيب وقور مرتب يجتمع الجمالة والراكبون الحمير السريع المزين ” يسمونها سيباني ” وبعضهم مشاة وهم الأكثر غالبًا وفي الآونة الأخيرة تحول السباق بالسيارة الحديثة وتظل كل الوسائل تحافظ على هيئة الحشد .
  • المديح النبوي والإنشاد به هو النص المختار لإعطاء لحظات الاستقبال الطابع الديني البارز حيث يردد  الجميع النشيد ويستقبل هذا الحشدَ الضيفَ حشدٌ مماثلٌ من أهل الفتاة محتفين بضيوفهم الكرام ويأذنون بالجلوس في المكان المخصص ويبدأ الإكرام من طعام وشراب وحلوى .. ثم يتقدم  المأذون الشرعي ليختم الجلسة بإتمام العقد الشرعي وبصيغته الشرعية التي تكتمل أركانها من رضى الطرفين والمهر المسمى والشهود الحضور …

– الترفيه والإعلان:

من الناحية الشرعية مطلوب الإعلان عن الزواج عبر ممارسة أنواع من التقاليد الترفيهية وضمن هذه البرامج تأتي أهمية إنشاء وإنشاد أشعار ينتجها الأدباء من الرجال والنساء وتلقى في جمهور من المستمعين المعجبين خلال أيام  الزواج التي قد تستمر ثلاثة أيام غالباً في الأوقات  العادية وقد تزيد أو تقل حسب الظروف المحيطة بهم أما محتوى الأشعار فغالبًا ما يتحرى الصدق والتباهي بالخصال المجتمعية النبيلة مثل الكرم والشجاعة والتعاون والعمل والانتاج وذكر مآثر الجدود والتفاني في خدمة الآخرين وقد يكون فيها هجاء لمن يتصف بصفات معاكسة  وذلك من باب التحذير منها وتبشيعها لدى المتحلين بها . وغالب أشعار النساء تتجه إلى كيل المديح والثناء لكلا العروسين ولأهليهما . وقد يظهر أحيانًا التنافس بين الأطراف في ادعاء كمية من الخصال الطيبة مقابل تبخيس الطرف الآخر ومثل ذلك يزجر عنه الكبار العقلاء من الرجال والنساء اتقاء للفتن بين الناس فيتوارى  قائلها مختفيًا تحت ضغوط الكبار.

ومن بين  الإعلان والاحتفاء بالمناسبة تأتي لعبة الرجال التي تسمى ” مرقدي  – MERGEDDE ” وهي لعبة رياضية أنيقة تؤدى على وقع نغمات ” الكبرو،  وهو نوع من الطبول ” والأشعار المرددة بصورة جميلة يتقافذ الرجال فيها بطريقة منتظمة ، يلعبون في أدوار متناسقة يراعى فيها ترتيب الكبار مع الكبار والشباب مع الشباب والعروس الزوج ينزل مع أصحابه المقربين في فرصة تتاح له والنساء يجلسن على جانبٍ خلف الرجال يتفرجن على المشهد الرياضي الأنيق ويزغردن وربما يمدحن فلانًا لما يرين فيه من إبداع ورشاقة ومهارة أكثر.  ومثل هذه المداخلات النسائية مرغوبة لدى الشباب المبدعين خاصة وربما انتشى لها الكبار لأنها تثني على حقيقة ماثلة وتحفز المبدعين ولهذا يتنافس الناس في الإجادة والإتقان علمًا أن اللعبة لها إدارة  فلها الحق في تنظيمها وترتيب الأدوار فيها حسب الفئات العمرية والمكانة الاجتماعية ولهذه الإدارة الحق في إبعاد من لا يحسن اللعبة وإبعاد الصغار المراهقين غير الماهرين ولهذا يكتفي الصغار بتنظيم مجموعة خاصة بهم يتدربون فيها حتى يصلوا إلى درجة الإتقان والإجادة بهدف أن يحققوا مكاسب تجعلهم في صف الكبار .

الشيء المهم أن أعراف مسحليت في الأعراس تمنع الاختلاط بين الرجال والنساء ومع ذلك تتيح للرجال أن يلعبوا في المناسبة وتتاح للنساء فرصة التفرج على الرجال اللاعبين ” المرقدي ” أمام النساء كما يتاح للنساء أن يمارسن بعض الألعاب الإبداعية بعيدًا عن الرجال خاصة التحلق حول شاعرة تنشد قصائد تكيل التمجيد والثناء على أهل العريس أو العروس وقد تتناول القصائد القبائل الأخرى بخصال حميدة.

 

ثانيًا – عرف مسحليت  في الوفيات:

العرف الاجتماعي لمسحليت يظهر في مناسبة الوفيات فهم يحددون ما يجب فعله وما يجب تركه مراعين الجوانب الشرعية والاقتصادية والاجتماعية والمصالح ولذلك تركت عادات كانت في المآتم مثل عقر البهيمة وهي حية وهو إجراء كان يقوم به شخص قريب الميت من باب الحرص أن تذبح بهيمته إكرامًا للضيوف ويرى أن هلاك البهيمة أحب إليه من بقائها بعد موت القريب وكانت عادات قديمة من لطم الخدود وشق الجيوب ودعوى الجاهلية وكأن تلبس النساء ملابس الميت وتصرخ وتنشد من أشعار رثاء تشيد من خصاله  لتثير الآخرين  وتهيجهم على البكاء  فمثل هذه العادات كادت تنتهي بسبب أن العرف الجماعي لمسحليت استبشعها وحدد أيامًا معدودات لتبادل التعازي كما فرض التعاون على سداد فاتورة المأتم بحيث يتقاسمها الضيوف المعزون  حسب إمكانياتهم حتى لا  يتعرض أهل الميت لخسارة إضافية مع خسارة فقيدهم .

وفي الحلول الإيجابية لسد الفراغ  الذي يحدثه الميت في الأسرة يلجأ أحد الأقارب بالزواج من زوجة المتوفي من أجل تكريمها ورعاية أبنائها الأيتام كما أن ميراث  الميت يوزع وفق ما ترشد إليه الشريعة من بيان وتفاصيل الحقوق على الورثة وقد تمت مراجعات جديدة لتوريث المرأة وفق تعاليم الشريعة بخلاف ما كانت عليه أعراف قديمة أو أعراف لقبائل أخرى تجعل من حق المرأة  الحرمان من مال مورثها خاصة الأراضي والأصول الثابتة .

ثالثًا – عرف مسحليت في التعاون:

القيام  بالعمل العام المشترك الذي يحقق المصلحة للجميع أو لطرف ضعيف يسمى تعاوناً عند المسحليت وهو مبدأ اجتماعي كبير وأصيل يورثه السابق للاحق من أبناء مسحليت ويتجلى في عدد من المناشط :

– النفير في الزراعة غرسًا وحرثاً ونظافة وحصادًا:

توجد ضمن أعراف مسحليت حملة جماعية تقوم بزراعة مزرعة خاصة  بأُسَرٍ ضعيفة فاقدة الوالي بسبب وفاة العائل أو مرضه أو غيابه لحبس ونحو ذلك فيقوم العرف بسد النقص وذلك بواسطة حملة يشارك الأقربون فيها نسبًا أو جيرةً أو صداقة وهو عرف مشاع بين مكونات مسحليت يقوم بما كان يلزم أن يقوم به صاحب المزرعة وبهذا يقي المجتمع من عائلة فقيرة تمتهن التسول لتوفير قوت يومها.

هذه الحملة تسمى نفيرًا و التسمية المحلية لها: ” كيوا  – KEWA” إن كانت لحراثة الأرض وزرع الحب فيها  أو كانت لنظافة المزرعة من الحشائش الضارة أو الحصاد عند نهاية الموسم.  و يتغير اسمها إلى:  “عانت –  AANAT”   إن كانت تقوم بزراعة الأرض أو بترميم سدود تعرضت لجرف المياه . بما هو متاح من الوسائل  من الثيران أو الحارثات الآلية الحديثة .

– صرف زكاة الموسم:

من العادات النبيلة الخالدة لدى ” مسحليت ” إخراج وتوزيع زكاة الحصاد في وقت الحصاد وفق ما شرع الله تعالى فهم يخرجون  العشر من زكاة محصولهم الزراعي ويوزعون ذلك على الفقراء والمساكين  والمصالح العامة ويتعهدون به صلة الأرحام الفقراء. وهذا خلق مشاع لدى جميعهم.

البهيمة الحلوب:

من  التكافل الاجتماعي المشهود في مسحليت أن أسرة غنية تمنح بقرة حلوبًا لأسرة فقيرة توصف بأنها ” منحة  – أو منحت  mennehet –  تظل الأسرة الفقيرة  تستفيد من لبنها وترعاها عندها حتى يتوقف اللبن ثم تعود إلى المانح وهو عرف جميل مشاع لدى المسحليت .

إعارة الدابة:

كثيراً ما تقوم الأسرة التي تملك جملًا أو حمارًا أو سيارة تقوم بإعارة دابتها لمن يكون محتاجًا إليها من الأهل والأقربين وذلك لقضاء حاجتها مثل النقل من موقع إقامة إلى موقع إقامة آخر حسب المواسم أو لجلب الماء أو الحطب أو أي شيء يحتاج إلى دابة تنقل المواد الثقيلة أو العوائل والأسر الضعيفة التي تضم كبار السن أو النساء والأطفال الصغار وقد تطلب هذه الدابة لأداء واجب الخدمة في المناسبات العامة مثل الأعراس أو المآتم  .

منح جزء من المزرعة:

يتجلى التعاون في مسحليت أحيانًا بأن يعطي صاحب المزرعة جزءًا من مزرعته إلى المحتاج إليها من أهله وأقربه ومعارفه يزرعها الممنوحة له ويرعاها نظافة وحصاداً حتى تصل المحطة الأخيرة وهي استلام واستقبال الإنتاج وذلك بهدف الاكتفاء الذاتي من المحصول الزراعي وهذه العادة مشاعة جدًا بين مكونات مسحليت تساعد الحالات الفقيرة التي يخونها الموسم بسبب الجفاف أو عدم ووصول الماء إلى مزرعة المحتاج أو قد يكون المحتاج أتى إلى المانح من مدينة أو قرية أخرى بسبب ظروف  ضاغطة 

تبرعات للعمل العام :

تقوم مسحليت من أجل تحقيق واجب عام كبناء مسجد أو حفر بئر أو بناء بيت لفقير تهدم أو حالة مرضية تحتاج إلى تضافر الجهود تقوم القبيلة عبر أفراد بمبادرات إيجابية تدعو إلى تبرعات عامة وبموجب ذلك تتسابق الأموال لتحقيق الهدف العام وهي عادة يتحقق بموجبها كثير من الأعمال العامة التي كانت تنتظر تكاتف الأيدي الجماعية .

[1]–  تاريخ الحباب والحماسين .. ص 185

من فروع مسحليت عد شيخ أحمد أبرهي:

نقلا عن كتاب مسحليت : توجد أسرة دينية ضمن مكونات قبائل مسحليت في منطقة سمهر تسمى ” عد شيخ علي “، ويروى كتاب ” مسحليت ” عن الأستاذ أحمد نقاش – وهو أحد أبناء وكبار عد شيخ أحمد أبرهي- مؤكدًا صحة البيانات التالية المعرفة:

نحن في المنطقة أهل القرآن ، ولنا باع كبير في الدعوة والقيام بالمهام الدينية، جدنا أحمد عمر  أمه من منسع من بيت أبرهي  اسمها” مدقت” من عد قبريس  فرع عد آدا   وقد تم تعميم اللقب على الأسرة  من يوم وافق جدنا أحمد عمر زوجته أن تختار اسمًا رديفاً لولدها  فاختارت له : أبرهي  تخليداً لقبيلتها ” منسع ”   فاشتهرت الأسرة بذلك اللقب حتى اليوم.

نحن مشايخ المنطقة ، نحن نتولى وظيفة  القضاء  والمأذون  وتعليم القرآن والتربية والفقه منحنا مجتمع مسحليت الثقة بسبب ما لدى آل أحمد أبرهي من دين وخلق وخبرة في معالجة قضايا المجتمع . فروع  عد الشيخ أحمد أبرهي :

تضم أسرة عد الشيخ أحمد أبرهي كلا من عد  محمد الأمين الشيخ أحمد  أبرهي، وعد أدم الشيخ أحمد  أبرهي– لهم فرعان معروفان في مسحليت : عد شيخ  محجوب وعد شيخ أحمد ابنا أدم الشيخ أحمد أبرهي –  وعد محمود الشيخ أحمد . ويلتقي معهم  في جدهم عمر :  عد زيري وعد ناصر. علمًا أن أسرة الشيخ أحمد أبرهي تنتمي إلى قبيلة الأساورتا فرع أحمد إيدو  الذي يضم أربعة أفرع مشهورة وهي : بيت توكل ، بيت خليفة ، بيت دانيا ، بيت سليمان .وقد تفرع كل منها إلى فروع جديدة كثيرة . وهناك في مسحليت  فرع آخر من الأساورتا يدعى :  علي كفتو – أخو أحمد إيدو – وهم خمسة فروع –   وينتمي إليه عد حليبو  وعد شعبتاي ، وعد ماقلو ، وعد جنقحل ، وعد درعو ، وعد ذرئ، من مكونات مسحليت من قبيلة الأساورتا.

سلسلة مشايخ عد أحمد أبرهي:

ونص الراوي الأستاذ أحمد نقاش  على قائمة من تصدر الولاية الدينية من الأسرة بدايةً  من أول شيخ لهم  الشيخ عمر سليمان  وانتهاءً بالشيخ الذي يقوم المهمة حاليًا هو  الشيخ الأمين بن الشيخ أحمد . نصت رسالة الراوي التي وقعت بتاريخ 17 أكتوبر 2023م نصت على أسماء المشايخ العشرة على النحو التالي:

  • الشيخ عمر الشيخ سليمان
  • الشيخ أحمد أبرهي بن الشيخ عمر
  • الشيخ محمد الأمين بن الشيخ أحمد أبرهي
  • الشيخ أدم بن الشيخ أحمد أبرهي
  • الشيخ أحمد بن الشيخ أدم أحمد أبرهي
  • الشيخ الأمين بن الشيخ أحمد
  • الشيخ طه بن الشيخ أحمد
  • الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ طه بن الشيخ أحمد
  • الشيخ أحمد بن الشيخ طه بن الشيخ أحمد
  • – الشيخ الأمين بن الشيخ أحمد بن الشيخ طه بن الشيخ أحمد .

وأكد الشيخ أحمد نقاش أن سلسلة نسب عد الشيخ أحمد تمضي حتى تصل إلى أحمد أيدو من فروع الأساورتا .وقال : والاسم الصحيح لنا : آل شيخ أحمد أبرهي  أو عد شيخ أحمد ود أدم. وقد ذكر الكتاب المذكور التعريف بالراوي فقال  : الأستاذ أحمد  نقاش بن الشيخ  سالم  بن الشيخ أحمد بن الشيخ أدم  بن الشيخ أحمد أبرهي  بن الشيخ عمر بن الشيخ سليمان .

 أساورتا – نسب قبائل الأساورتا:

قبائل عربية هاشمية تنتسب إلى عمر أساور الذي هاجر من الحجاز الى الحبشة عبر اليمن منذ أوائل العصر الإسلامي وينتهي نسبه الي الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وتنتشر قبائل الأساورتا إلى الجنوب والجنوب الشرقي من أريتريا وتحديدًا حول مدينة عدي قيح وكذلك توجد تجمعات لهم في أجزاء أخري من إريتريا. ، ويرجع تسميتها بالأساورتا إلى جدهم عمر أساور إذ كان يلبس أساور من الفضة في ذراعيه وبذلك لقب بعمر أساور. [1]

عد حليبو:

يأتي فرع عد حليبو ضمن بطون قبيلة الأساورتا تقول الروايات أن جدهم ناصر حليبو جاء قادمًا من منطقة الأساورتا  الأم التي تسمى ( ريعوت ودقعا ) وجاء معه أسرته وثروته الحيوانية  ونزل منطقة سمهر واندمج مع القبيلتين :الطاورا وعد شيخ علي وطاب له المقام وسط المجتمع وجريًا على عادة مسحليت مشى لزيارة الشيخ محمد بن علي  في أمبيرمي  المعروف بالصلاح والزهد  والعبادة وعند التعارف بين الطرفين غير الشيخ علي اسم الضيف ناصر دم إلى ناصر حليب ومن هنا جاءت التسمية عد حليبو وكان فارساً شجاعًا حامي الذمار.

 د.محمد سعيد عثمان أقددا يروي عن جابر علي سعيد عليمو قال عن سبب تسمية  ” حليبو ” بعد وفاة أب مَروَيMARWAY جاءت أمطار كثيرة  وانتصر ناصر حليبو على “الهرمج “– قوم من معتادي النهب المسلح – وكثر الخير واللبن في عهده بعد الانتصار فارتاح الناس بعد محنة الحرب فتفاءلوا بزعيمهم ناصر حليبو فمضى اللقب فيه وصاحبه من ذلك الزمان [2]، ولا مانع أن تكون كلتا الروايتين صحيحتين باعتبارين مختلفين فاللبن عنوان للسلم والخير بعد حرب ضد الخصوم والدم عنوان لخوض المعارك ضد الأعداء وفيه معنى  الشجاعة والبطولة ، فهو لقب مناسب لظرف الحرب التي كانت مشتعلة في تلك الفترة وتغيير الأسماء التي فيها معاني الحرب والقتال والبأس إلى أسماء فيها معاني السلام والطمأنينة والعفو والغفران وارد مشروع  وهذه كانت  سنة من وظيفة مشايخ الدعوة اقتداء برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فقد غير حزناً إلى سهل وعاصية إلى جميلة وحرب إلى حسن وحبيب بن بغيض إلى حبيب بن حبيب [3]. مما يذكر أن لقبيلة أساورتا قائمة تفصيلية  تتفرع إليها من ذلك نذكر فرعين رئيسيين في مسحليت حسب رواية الأستاذ أحمد نقاش وهما:

  • عد علي كفتو.
  • عد أحمد إيدو . [4]. والفرعان المذكوران تكاثرا إلى بطون كثيرة  اشتهرت بأسمائها وسط القبائل الأخرى.

[1]– التعريف : عمر أساور بن الفقيه مسعود بن عمار لمع بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الدمرجد بن سلمان بن قاسم أبو نورين بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن إسحاق بن إسماعيل بن موسى الماجدي بن محمد بن يعقوب بن محسن بن محمد بن جعفر بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . المرجع : القبائل العربية والهاشمية كانت تعيش في ارتريا . : https://omferas.com/vb/t15528/  منتديات فرسان الثقافة . واطلع بعض أبناء الأساورتا  على السلسلة فأقرها .

[2]–   كتاب مسحليت … الأرض والإنسان والتاريخ .

[3]– بحث منشور بعنوان : الصحابة الذين غير رسول الله صلى  الله عليه وسلم أسماءهم ، للكاتب محمد سامي محمد علي ، تاريخ النشر 14  نوفمبر 2022م ، المرجع : موقع موضوع في الشبكة :  (  mawdoo3.com )

[4]–   كتاب مسحليت .. الارض والإنسان والتاريخ .